اسامي الكتب

  • حسين عطوان..الشعراء الصعاليك في العصر العباسي الأول.pdf

الأربعاء، 16 نوفمبر، 2011

عوامل سقوط الدولة العباسية

من عوامل سقوط الدولة العباسية

من أعرق الصفحات التي قدمها المسلمون للحضارة الإنسانية ، وللتاريخ البشري صفحة الدولة العباسية‏ , خمسة قرون وأكثر ‏(‏ 132 هـ ـ 656 هـ ‏)‏ مرت على التاريخ البشري ، وهو يحني جبهته لهذه الدولة ‏.‏


وبالطبع ‏.‏‏.‏ فليس من خصائص المسيرة البشرية أن تظل على وتيرة واحدة ، وهكذا كان شأن الدولة العباسية في مسيرتها ، يتعاورها المد والجزر ، واختلف عليها الحماة بين أتراك وبويهيين وأتراك سلاجقة ، لكنها بقيت مع ذلك رمز الهيبة التاريخية التي تفرض نفسها على كل القوى ، مستمدة هذه الهيبة من رصيد الخلافة الإسلامية التي مثلت وحدة الوجود الإسلامي إلى فترة قريبة من عمر التاريخ‏.‏

كان قيام هذه الدولة حركة سياسية قامت على تخطيط ، لعله لم يتوفر للمسلمين في كل تاريخهم ‏.‏‏.‏ دقة وعمقا ‏.‏‏.‏ وصبرا على النتائج ، واستغلالا لكل القوى وسرية ، وتوافر لكل مقومات النجاح‏.‏

ثم كان السير التاريخي لهذه الدولة معجزة عجيبة ، فوسط بحار متلاطمة الأمواج، وعالم إسلامي فسيح لا يمكن ، بل يتعذر استمرار تماسكه ‏.‏‏.‏ وأعداء خارجيين من عناصر متباينة المذاهب والجنس والميول ‏

وسط هذا كله شقت الدولة طريقها ‏.‏‏.‏ ولا شك في أنها كانت بين الحين والحين تتعرض لحركة تفكك من هنا، وحركة تمرد من هناك ، وبروز لحركة خروج في ناحية ثالثة ‏.‏‏.‏ وغلبة عنصر من العناصر في مكان رابع ‏.‏

ولكن مهما يكن ‏.‏‏.‏ فهذه هي طبيعة المسيرة البشرية ، ولم يقدم لنا التاريخ على كثرة ما قدم مدينة فاضلة خلت من كل النوازع البشرية وخلت من الصراع ‏.‏‏.‏ والمد والجزر ‏!‏‏!‏

وعبر القرون الخمسة تقلب في الحكم عشرات من الحكام ‏.‏‏.‏ بلغوا سبعة وثلاثين خليفة، أولهم أبو العباس السفاح , ثم أبو جعفر المنصور ‏.‏‏.‏ وقد برز منهم كثيرون كالمأمون والرشيد والمعتصم والواثق والمتوكل والمهدي , وكان آخرهم ـ ومن أشأمهم ـ أبو أحمد المستعصم الذي استسلم للتتار‏.‏

وظهرت أسر قوية وعناصر كبيرة سيطرت على الدولة أحيانا كالبرامكة وبني بويه والسلاجقة ‏, وتمتعت دول كثيرة بالاستقلال الفعلي عن الدولة كالطولونيين والإخشيديين في مصر ، وبني طاهر في خراسان ، وبني سامان في فارس وما وراء النهر ، والغزنويين في أفغانستان والبنجاب والهند ، وبني بويه ـ الذين لم يستقلوا وحسب ـ بل تحكموا في الخلفاء أنفسهم في شيراز في فارس ‏.‏‏.‏ ثم السلاجقة‏.‏

وهكذا ـ كما ذكرنا ـ تعاورت كل ظروف المسيرة التاريخية هذه الدولة ذات القرون الخمسة ‏!‏‏وخلال رحلة الدولة العباسية الطويلة في التاريخ ، لم يجد المؤرخون بدا من تقسيم هذه الدولة إلى عصور ثلاثة ‏:‏ العصر الأول ‏(‏ 132هـ ـ 232 هـ ‏)‏ وفيه كانت السلطة للخلفاء ما عدا المغرب والأندلس ‏, والعصر الثاني ‏(‏ 232 ـ 590 هـ ‏)‏ وفيه ضاعت السلطة من الخلفاء لتكون في يد الأتراك والبويهيين والعصر الثالث ‏(‏ 590 ـ 656 هـ ‏)‏ وفيه عادت السلطة إلى أيدي الخلفاء في حدود بغداد وما حولها دون بقية أملاك الخلافة التي سطا عليها الطامعون‏.‏

وفي مثل دولة جامعة كبيرة ذات حياة حافلة كالدولة العباسية يصعب الوصول إلى رأي أخير في أسباب انحلالها ‏.‏‏.‏‏.‏

ـ أكانت حركات الانشقاق عن الدولة سبب هذا الانحلال ‏؟‏ لا ‏:‏ إن حركات الانشقاق هذه ظاهرة أو نتيجة من نتائج بروز عوامل الانحلال‏.‏

أكان ظهور أو تحكم عناصر غير عربية في الحكم من أسباب هذا الانحلال ـ لا ، فهذه العناصر قد وجدت في حضارات كثيرة , وأين هي الدولة التي تخلو من خدمات عناصر ليست منها ‏؟‏! ‏.‏‏.‏ ثم إن هؤلاء لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا في ظل مظاهر الانحلال الحقيقية ، وأدى معظمهم خدمات للدولة كانت سببا من أسباب بقائها وصمودها‏.‏

أكان ظهور حركات التمرد الديني كالقرامطة والحشاشين وغيرهم هو السبب الأقوى في تحلل الدولة ‏؟‏

ومما لا شك فيه أن لهذه الحركات أثرها الكبير في ضياع ‏"‏ الوحدة العقائدية ‏"‏ وفي ضياع كثير من مثل الإسلام الصافية خلال هذه العصور ‏.‏‏.‏ وفي خلق جو من الفوضى الفكرية والاجتماعية والاقتصادية ، لكن مع ذلك وإن كان هذا سبب قويا فليس هو السبب الأقوى في سقوط الدولة العباسية ,‏ فما هي إذن ـ عوامل تحلل الدولة العباسية ودخولها في طور الاضمحلال ‏؟‏ لا شك في أن العوامل السابقة وغيرها ، كان لها تأثيرها الكبير في اضمحلال الدولة العباسية وفي دخولها مرحلة الأفول‏.‏

بيد أن أخطر العوامل التي أسقطت خلافة العباسيين إهمالهم لركن هام من أركان الإسلام ‏.‏‏.‏ وهو ‏(‏ الجهاد ‏)‏ ، فبعد المعتصم المتولي أمور الدولة سنة ‏(‏ 833م ‏)‏ لم نسمع عن معارك ذات شأن قامت بها الدولة ، ولم يكن مبدأ ‏"‏ الجهاد الدائم ‏"‏ حماية لهذه الدولة المترامية الأطراف أحد أركان السياسة العباسية ‏

لقد تقوقعوا في مشاكل الدولة الداخلية ‏.‏‏.‏ فحصرتهم مشاكلها ‏.‏‏.‏ وماتوا ببطء ، ولو أنهم وجهوا طاقة الأمة نحو ‏"‏ الجهاد ‏"‏ ضد الصليبيين ، لتغير أمر الحركات الهدامة التي قدر لها أن تظهر وتنتشر ، وذلك أن هذه الحركات لا تنتشر إلا في جو مليء بالركود والفساد ، والمناخ الوحيد الصالح للقضاء عليها هو المناخ القتالي الذي يكشف المعادن النقية , ويذيب المعدن الرخيص ‏.‏

لقد كانت الحاجة الإسلامية ملحة في ضرورة رفع راية الجهاد ، وكانت الدولة الإسلامية التي تعرضت للانشقاق والتمزق تحتاج إلى هذا الصمام ليحميها من جو السكون والاستسلام ‏.‏

لكن العباسيين غزوا في عقر دارهم ‏.‏‏.‏ فذلوا ، ولم يرفعوا راية الجهاد ضد العدو الخارجي ‏.‏‏.‏ فارتفعت رايات العصيان الداخلي ‏.‏

وكان بإمكانهم أن يشغلوا الأجناس المختلفة التي ضمتها الدولة في هذه الحروب الجهادية المستمرة ضد الغزاة والوثنيات المختلفة ‏.‏‏.‏ لكنهم لم يفعلوا ، فتحركت النعرات القومية الجاهلية لتفتت الدولة، وتقسم جسمها تحت رايات مختلفة ليست لها بالإسلام أو الجهاد صلة ‏.‏

وفي سنة 656هـ ‏(‏ 1258م ‏)‏ كان هولاكو ـ حفيد جنكيز خان ـ يؤدب الذين اتجهوا إلى كل الطرق إلا طريق الجهاد ‏.‏‏.‏ وحاولوا العلاج بكل الوسائل إلا الوسيلة الإسلامية القوية الخالدة ‏.‏

وقد هاجم هولاكو بغداد وهدم أسوارها ، وأعمل المنجنيق فيها ، وحصد بغداد ، حتى لم يعد ممكنا الإقامة فيها لشدة روائحها المنفرة ، وعندما خرج الخليفة المستعصم إليه مستسلما بصحبة ثلاثمائة من أصحابه وقضاته دون شرط أمر هولاكو بقتلهم جميعا ، وطويت صفحة الخلافة العباسية ‏.‏

ذلك أن أسلوب الأحلام الرومانتيكية الساذجة ليس وسيلة البقاء أو تشييد الحضارات ‏.‏‏.‏ فالذين لا يملكون إرادة الهجوم ‏.‏‏.‏ يفقدون القدرة على الدفاع ‏!‏‏!‏
                                                                      المصدر
http://www.suwaidan.com/vb1/showthread.php?t=7259

حروب وفتوحات الدولة العباسية

في بلاد الهند :



لما قامت الدولة العباسية ولى أبو جعفر المنصور هشام بن عمر التغلبي بلاد السند .. وفي عهده فتحت كشمير وهدم معبد "بوذا" وبني في موضعه مسجد .. وقد تقدمت هذه البلاد في عهد هشام التغلبي واستقر بها الأمن وتوطدت أركانه .. وفي عهد الخليفة المهدي غزا المسلمون بلاد الهند 901 هـ وحاصروا مدينة "باربد" وضربوها بالمنجنيق وفتحوها عنوة على أن هذه الغزوة كانت كارثة على جند العباسيين، فقد فشا الموت فيهم وقضى على عدد كبير من المقاتلين، ثم دمرت الزوابع سفنهم في الخليج العربي فغرق كثير من الجند .. وفي عهد الخليفة المأمون توسعت فتوحات المسلمين في السند والهند، وفي عهد المعتصم انتشر الإسلام في البلاد الواقعة بين كشمير وكابول والملتان.

مع البيزنطيين :

لم تنقطع الحرب بين العرب والروم منذ ظهور الإسلام. فلما انتقل الحكم إلى العباسيين تغيرت وجهة الحرب بينهما وأصبحت عبارة عن غارات، الغرض منها الهدم والتخريب وإتلاف النفس والمال وهذا ما كان يخالف ما كانت عليه الحال أيام الأمويين الذين كانت لهم سياسة مرسومة لمحاربة البيزنطيين بغية احتلال القسطنطينية وبقيت الحرب بين العباسيين والبيزنطيين تشتعل من حين إلى آخر حتى سنة 551هـ، حين طلب الإمبراطور قسطنطين الرابع الصلح مع العباسيين على أن يؤدي لهم جزية سنوية.

وفي سنة 951 هـ خرج الخليفة المهدي على رأس جيش كثيف لغزو بلاد الروم، ووصل إلى "البردان" وعسكر به، وأرسل العباس بن محمد فبلغ أنقرة، وفي سنة 561 هـ أعاد المهدي الكرة على البلاد البيزنطية فجمع جيشاً كثيفاً وعبر الفرات وجعل عليه ابنه هارون فوصل هذا الجيش إلى سواحل البوسفور وأرغم الملكة "ايرين" أرملة "ليو" الرابع، وكانت وصية على ابنها قسطنطين السادس أن تدفع للمسلمين تسعين ألف دينار جزية سنوية، وأن تقيم لهم الأسواق والأدلاء في الطريق عند عودتهم إلى بلادهم، وأن تسلم أسرى المسلمين وانتهت هذه الغزوة بهدنة بين الفريقين لمدة ثلاث سنوات ولما تولى الرشيد الخلافة سار بنفسه سنة 181 هـ على رأس جيش كبير إلى آسيا الصغرى، فانتصر على البيزنطيين في معارك كثيرة وظل يتابع فتوحه حتى وصل إلى القسطنطينية فسارعت الامبراطورة "ايرين" إلى طلب الهدنة مقابل دفع الجزية السابق ذكرها غير أن نقفور الذي اعتلى العرش بن ايرين أرسل إلى الرشيد سنة 781 هـ كتاباً ينتقض فيه الهدنة، ويلح في استرداد الجزية من جديد. ولم يقتصر الرشيد في حروبه مع الروم على آسيا الصغرى، بل تعداها إلى البحر المتوسط ففي سنة 190 هـ غزا جزيرة قبرص وأسر منها عدداً كبيراً من بينهم أسقفها.

أما عصر المأمون فقد اكتفى بتشجيع توماس الصقلبي الثائر على الامبراطور "تيوفيليوس"، وعمل على تتويجه امبراطوراً على الدولة البيزنطية نفسها ولكن سرعان ما اكتشفت حملة توماس ولم يتم له ما أراد وقد اتبع الامبراطور البيزنطي السياسة نفسها مع الخليفة العباسي، فجل بلاد الروم موئلاً للخرمية أتباع بابك الخرمي الفارسي الذي ثار سنة 102 هـ على المأمون وقد استطاع المعتصم القضاء على بابك، ثم تفرغ لمحاربة الروم، فسار من فوره إلى أنقرة في جيش ضخم، وهزم الامبراطور البيزنطي واستولى على أنقرة. ثم تابع المسير حتى وصل عمورية حيث انتصر على البيزنطيين سنة 322 هـ، واقتحم عمورية وخربها وعاد إلى سامراء حيث استقبل استقبالاً باهراً وفي هذه المناسبة نظم أبو تمام قصيدة مشهورة جاء فيها:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف ... في متونهم جلاء الشك والريب



فيما بعد ساءت الحال في الدولة العباسية، فاستبد الأتراك والبويهيون بالسلطة دون الخلفاء فوجد البيزنطيون في ذلك فرصة سانحة للإغارة على المناطق الخاضعة للدولة العباسية فقد استولوا على ساحل مصر سنة 832 هـ، كما أغاروا في زمن المتوكل على مدينة "عين زربا" سنة 142 هـ، وعلى الأراضي الواقعة شمالي العراق فبلغوا آمد وأسروا كثيراً من المسلمين ولكن الخليفة المتوكل عول على الانتقام، فاستولى على بعض المناطق البيزنطية جنوبي آسيا الصغرى وأسر أحد البطارقة، واستولى على مدينة لؤولؤة ومنذ عهد الخليفة المعتمد كانت الخلافة العباسية قد تقلصت إلى حدود الجزيرة والعراق، وتجدد النزاع بين المسلمين والروم الذين راحوا يعبثون ببعض بلاد الدولة العباسية .. وكانت شوكة الدولة البيزنطية قد قويت وانتشر فيها الأمن منذ اعتلاء باسيل الأول العرش سنة (352 هـ) 768م، فتمكن من احراز النصر على بعض أمراء المسلمين، ساعده على ذلك ضعف الخلفاء أو استبداد القوط بهم وثورة الجند عليهم.

الحروب في مصر :

كان من أثر تحول الخلافة من الأمويين إلى العباسيين أن قامت حضارة جديدة حلت مكان الفسطاط، هي العسكر وقد قام الجند العرب في مصر بدور مهم في شؤون الدولة السياسي. فقد اشتركوا في كثير من الفتن والثورات، مثل فتنة محمد النفس الزكية في عهد المنصور وعاونوا "دحية" في خروجه على العباسيين في الصعيد، في عهد الخليفة المهدي كذلك كان للجند العرب في مصر نصيب كبير في الفتنة التي قامت بين الأمين والمأمون وغدا اشتراك هؤلاء الجند في الثورات مألوفاً حتى في الحالات التي لم يكن ثمة ما يدعو إلى الاشتراك فيها وقد دعت هذه الحال الخليفة المعتصم سنة 812 هـ إلى أن يسقط أسماء الجند العرب في مصر من ديوان العطاء وبذلك اندمج العرب بالمصريين فاحترفوا الزراعة والصناعة وغيرها، وبذلك قضي تماماً على العصبيات العربية والشعوبيات في مصر وهذا أمر لم يحدث في أي اقليم آخر من الأقاليم التابعة للدولة الإسلامية.

في بلاد النوبة :

اتصل العرب اتصالاً وثيقاً بالبجة في القرن الثاني للهجرة عن طريق البحر الأحمر، وعن طريق وادي النيل، وخاصة اقليم أسوان، بعد أن عقد مع ابن الحبحاب معاهدة هدنة وحسن جوار غير أن البجة لم يحافظوا على العهد الذي قطعوه على أنفسهم مه ابن الحبحاب، وكثرت غاراتهم على جهات أسوان عهد الخليفة المأمون فقامت بين الفريقين مواقع عدة انتهت بإبرام هدنة جديدة، كان من أهم شروطها أن تكون بلاد البجة من حدود أسوان، وعلى أن تكون منطقة السودان ملكاً للخليفة العباسي، وأن يدفع ملك البجة كل عام الخرج، وهو مائة من الإبل أو ثلاثمائة دينار وأن يحترم البجة الإسلام ولا يمنعوا أحداً كل عام من المسلمين الدخول في بلادهم للتجارة، وإذا نزل البجة صعيد مصر مجتازين أو تجاراً فلا يظهرون سلاحاً ولا يدخلون المدن والقرى بحال.

في بلاد المغرب :

غدت أفريقيا مسرحاً للفتن والقلاقل في العصر العباسي، وذلك لبعدها عن السلطة المركزية في بغداد، ولجهل البربر في ذلك العصر، وعدم استعدادهم لقبول الحضارة الإسلامية وبغضهم ولاتهم من العرب وفرضهم الضرائب الفادحة عليهم وقد ساعد هذا الواقع على قيام دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى سنة 271 هـ، كما ساعد الأغالبة في تونس على تأسيس دولتهم، وكان الرشيد قد أقطع ابراهيم بن الأغلب تونس سنة 481 هـ.

أما عن جهل البربر وعدم استعدادهم للحضارة الإسلامية، فكان من آثاره أن السلام لم يتوطد بين البربر والعرب النازلين في بلادهم منذ أن امتدت الفتوحات الإسلامية إلى هذه البلاد وهذا يفسر لنا انتشار مذهبي الخوارج والشيعة في بلاد المغرب، وقيام البربر في وجه العباسيين بين الحين والآخر. وأما عن بغض البربر لولاتهم من العرب فيرجع إلى فداحة الضرائب التي أثقلت كاهل الأهلين .. والحق أن قيام الخوارج من البربر في وجه العباسيين لم يكن خروجاً على الدين بل كان خروجاً على السلطة الحاكمة لظلم الولاة لهم وفرضهم عليهم الضرائب الفادحة.
استمرت قبائل البربر في أفريقيا تناوئ سلطان العباسيين، حتى بعث إليهم الرشيد سنة 181 هـ هرثمة بن أعين على رأس جيش كثيف استطاع أن يضعف قوتهم على أن هرثمة رأى بثاقب نظره وطول خبرته تأصل العداء في نفوس البربر، فأرسل إلى الرشيد يعتذر عن البقاء بالمغرب بعد أن وليها سنتين ونصف السنة .. ثم ولى الرشيد محمد بن مقاتل، فأساء معاملة الأهلين، فتجددت ثورات البربر والعرب، وتمكن البربر من دخول القيروان .. إلا أن ابراهيم بن الأغلب تمكن من طردهم، وأعاد إلى الرشيد ولايته .. وكان من أثر العداء الذي اضمره البربر للأمويين والعباسيين، وانضمام بعض العرب إلى مذهب الخارجين أن قامت الفتن والقلاقل في هذه البلاد، وعمل بعض زعمائهم على الاستقلال عن الدولة العباسية، فتأسست ولايات من البربر، على يد زعماء من العرب، استقلت استقلالاً يكاد يكون تاماً ومن الولايات التي استقلت ولاية تاهوت وولاية سلجمانة (تافيلالت الحالية) التي أسسها بنو مدرار، وولاية تلمسان التي أسسها الصنهاجيون، وولاية برغواطة في تامسنا (الشاوية الحالية) على ساحل المحيط الأطلسي، ودولة الأغالبة في تونس، ودولة الأدارسة في المغرب الأقصى.

في بلاد الأندلس :

تقلص سلطان العباسيين عن بلاد الأندلس بعد أن أفلت عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك وانتقل إلى الأندلس ولكن أبا جعفر المنصور لم يهدأ باله من ناحية عبد الرحمن الداخل (صقر قريش) ، فعمل على القضاء عليه، وأرسل إليه العلاء بن مغيث ولكن الداخل هزمه وقتله واحتز رأسه وأرسله إلى المنصور .. فغير المنصور بعد ذلك سياسته مع الداخل وعمل على استمالته، وكثيراً ما كان يظهر اعجابه بشخصيته، وقد لقبه بصقر قريش .. وكان الخليفة المهدي يضمر العداء للداخل فأرسل من يحرض عبدالرحمن بن حبيب الفهري عليه فراح يحث الناس على الدخول في طاعة العباسيين، واتصل بسليمان بن يقظان من أجل ذلك ولكن سليمان خذله وحاربه وقضى عليه وبذلك لم تنجح سياسة المهدي في إعادة الأندلس إلى الدولة العباسية .. وقد حكم عبد الرحمن الداخل ثلاثاً وثلاثين سنة، وعاصر من الخلفاء العباسيين: المنصور والمهدي والهادي والرشيد.
المصدر
http://ouarsenissat.yoo7.com/t3934-topic

الوزارة في العصر العباسي

الوزارة في العصر العباسي

منصب الوزارةالحق أن منصب الوزارة بدأ يأخذُ شكلاً مغايرًا في الخلافة العباسية عما كان عليه من قبل، فقد كان تعيين الوزراء أمرًا ضروريًّا، ويُعْتَبَرُ حفص بن سليمان المعروف بأبي سلمة الخلال (ت 132هـ/ 750م)، أول مَنْ لُقِّبَ بالوزارة في الإسلام، وكان يقال له: وزير آل محمد. وهو الذي أنفق أموالاً كثيرة في سبيل الدعوة العباسية[1].

وقد قَلَّد أبو جعفر المنصور رجلاً اسمه سليمان بن مخلد المعروف باسم أبي أيوب المروياني الوزارة بجانب الدواوين، وقد ذكر ابن كثير أنه كان "صاحب ديوان الإنشاء"[2].

ووصل الوزير في ظلِّ الخلافة العباسية إلى مكانة مرموقة، بل حدا به الأمر بأن صارت إليه أحوال البلاد والعباد، وهو ما نجده في أسرة البرامكة؛ فقد مُنح يحيى بن خالد البرمكي السلطة المطلقة، فأصبح بيده الأمر والنهي في الدولة؛ فيذكر ابن كثير أنه "لما وَلِي الرشيدُ عرفَ له حقه (أي ليحيى بن خالد)... وفوَّض إليه أمور الخلافة، وأَزِمَّتها ولم يزل كذلك حتى نكبت البرامكة"[3].

ولقد كان الخلفاء العباسيون يُمعنون في البحث والتحرِّي عن أفضل الوزراء، فهذا الخليفة العباسي المأمون يضع مجموعة من المعايير لاختيار وزير له فيقول: "إنِّي التمستُ لأموري رجلاً جامعًا لخصال الخير، ذا عفَّةٍ في خلائقه واستقامةٍ في طرائقه، قد هذَّبتْهُ الآداب وأحكمته التَّجارِب، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قُلِّد مهمَّات الأمور نهض فيها، يُسكته الحلم، ويُنطقه العلم، وتكفيه اللَّحظة، وتغنيه اللَّمحة، له صولة الأمراء، وأناة الحكماء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، إن أُحسن إليه شكر، وإن ابْتُلِيَ بالإساءة صبر، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يسترقُّ قلوب الرِّجال بخلابة لسانه وحسن بيانه"[4].

ومن ثَمَّ استوزر المأمونُ الفضلَ بن سهل (ت 202هـ)، وقد كان الْفَضل هذا من أعاظم الوزراء في التاريخ الإسلامي، ولمكانته أطلق المأمون يده في كل الأمور "وسماه ذا الرياستين؛ لتدبيره أمر السيف والقلم"[5]. أي جعله يتولَّى الأمور المتعلقة بالسياسة والحرب، ولم يكن ذلك الجمع لوزير سابق، كما أننا نجد الوزارة تُفوَّض إلى الفضل بن سهل بتوقيع خاصٍّ (أي خطيًّا) وهذا أول تشريف من نوعه، ولعل محتويات التوقيع توضِّح أهميته؛ إذ جاء فيه: "قد جعلتُ لك مرتبة من يقولُ في كل شيء فيُسْمَعُ منه، ولا تتقدَّمُكَ مرتبة أحد، ما لزمتَ ما أمرتُك به من العمل لله ولدينه، والقيام بصلاح دولة أنت ولي القيام بها، وجعلتُ كله لك بشهادة الله تعالى، وجعلته لك كفيلاً على عهدي، وكتبتُ خطي في صفر سنة أربع وتسعين ومائة"[6].

وكذلك وجدنا ابن العميد علي بن محمد بن الحسين (ت 360هـ)، من جملة الوزراء الذين ذاع صيتهم، وانتشرت شهرتهم في القرن الرابع الهجري، فعلى الرغم من كونه وزيرًا لآل بويه، إلا أننا وجدنا مؤسسة الخلافة تمتدحه، وترفعه إلى مكانة سامقة، ومن ثم فقد لقَّبه الخليفة الطائع لله "بذي الكفايتين" أي السيف والقلم[7].

وما كان امتداح الخليفة العباسي الطائع لله للوزير ابن العميد من فراغ؛ فقد كان ابن العميد يقود الجيوش، ويحضر المعارك، وكان أسدًا في الشجاعة... وكان قليل الكلام، نزر الحديث، إلا إذا سُئل ووجد من يُفهم عنه؛ وكان لحُسن عشرته، وطهارة أخلاقه إذا دخل إليه أديبٌ أو عالم متفردٌ بفنٍّ سكت له، وأصغى إليه، ومع ذلك استطاع أن يُعيد النظام الأمني المفقود في البلاد، بعد ثورات واضطرابات الجند في بغداد؛ ولذلك عظمت مكانته في فترة وزارته القصيرة، واستتب الأمن على يديه، ونال العلماء والأدباء مكانتهم المستحقَّة بين يديه، فخاف البويهيون على ملكهم منه، فقتلوه[8].

وكان عمل الوزراء غاية في الدقة والتنظيم والاستغراق في العمل؛ فقد ذكر المؤرخ الشابُشتي[9]، أن الوزير صاعد بن مخلد (ت 275هـ) كان يقوم في آخر الليل، فلا يزال يُصَلِّي إلى طلوع الفجر، ثم يَأْذَن للناس فيُسَلِّمون عليه، ثم يركب إلى دار الخليفة المُوَفَّق فيقيم بحضرته أربع ساعات، ثم ينصرف إلى منزله، فينظر في حوائج الناس وأمور الحاضر والغائب إلى الظهر، ثم يتغدَّى وينام، ثم يجلس بالعشي فينظر في الأعمال السلطانية إلى العشاء الآخرة، لا يبرح يُحَصِّل جميع الأموال ما حمل منها وما أنفق وما بقي، ويَعمل له بذلك عملاً في كل يوم ويُعرض عليه، وما يخفى عنه شيء مما يجري في الأعمال كل يوم، ثم يأمر في أمر ضياعه وأسبابه، ويتقدَّم إلى وكلائه وخاصته بما يحتاج إليه، ثم يتشاغل بعد ذلك مع نديم يتشاغل بحديثه ويأنس به، ثم ينام[10].

نظام الملك والمدرسة النظامية

وكان هناك مجموعة من الوزراء الأوفياء في الحضارة الإسلامية، قد جمعوا بين دهاء السياسة وأخلاق الدين، وكان لهم دور كبير في مسيرة الحضارة الإسلامية، ومن هؤلاء نجد الوزير نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق وزير دولة السلاجقة، ذكر الإمام الذهبي أنه " أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد، وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغَّب في العلم، وأدرَّ على الطلبة الصِّلات، وأملى الحديث، وبَعُد صيته"[11].

والمدرسة الكبرى التي ذكرها الذهبي، هي المدرسة النظامية في بغداد، والغريب أن الوزير نظام الملك كان مع توليه لأمر الوزارة يذهب بين الحين والآخر إلى هذه المدرسة لتدريس مادة الحديث الشريف، وهذا ما يذكره ابن الأثير بقوله: "دخل نظام الملك إلى المدرسة النظامية، وجلس في خزانة الكتب، وطالع فيها كتبًا، وسمع الناس عليه بالمدرسة جزء حديث، وأملى جزءًا آخر"[12].

لقد كان نظام الملك من خيرة وزراء الحضارة الإسلامية إن لم يكن أفضلهم، بعد عهد الصحابة، فقد كان محبًّا للعلماء، مُعظِّمًا لهم، "وكان نظام الملك إذا دخل عليه الإمام أبو القاسم القشيري، والإمام أبو المعالي الجويني، يقوم لهما، ويجلس في مسنده، كما هو، وإذا دخل أبو علي الفارَمَذي يقوم إليه، ويُجلسه في مكانه، ويجلس هو بين يديه، فقيل له في ذلك، فقال: إن هذين وأمثالهما إذ دخلوا عليَّ يقولون لي: أنت كذا وكذا.. يثنون عليَّ بما ليس فيَّ، فيزيدني كلامهم عجبًا وتيهًا، وهذا الشيخ يذكر لي عيوب نفسي، وما أنا فيه من الظلم، فتنكسر نفسي لذلك، وأرجع عن كثير مما أنا فيه"[13].

ولكثرة حُبِّه للعلم ألَّف نظام الملك كتاب "سياست نامه" أو "سير الملوك"، وقد ألَّفه لسلطان السلاجقة ملكشاه بن محمد عام 479هـ. وكان الهدف من تأليفه إبراز أهم السبل الناجحة لقيادة الدول لدى الملوك والأمراء السابقين، لتتأسَّى بها دولة السلاجقة في أحوالها وشئونها الإدارية والسياسية، ومن ثَمَّ يقول نظام الملك: "لذا عمدتُ إلى درج وشرح كل ما كنتُ أعرفه، أو رأيته، أو خبرته، من تجارِب في حياتي، أو تَعَلَّمته من أساتذتي في الموضوع، في هذا الكتاب في خمسين فصلاً"[14].

ولا شكَّ أن هذا العمل قد لاقى قبولاً من السلطان، كما لاقى قبولاً من القرَّاء فيما بعد، وهذا العمل يؤكد أن الوزارة في الإسلام لم تكن عملاً إداريًّا بمعزل عن تجارب السابقين وخبراتهم.
http://www.islamstory.com/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%B3%D9%8A

أسباب انهيار الخلافة الإسلامية

أسباب انهيار الخلافة الإسلامية

يعود انهيار الخلافة الإسلامية إلى عدة أسباب أهمها:
أولا - نظام الخلافة
يقوم نظام الخلافة في الإسلام على قاعدة (الشورى), وقد تقرر هذا المبدأ في القرآن الكريم بقوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وتأيد هذا المبدأ بقوله تعالى لنبيه: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ وقد طبقه النبي صلى الله عليه وسلم فكان يشاور أصحابه في الأمور التي ليس فيها حكم من أحكام الله, وبذلك أصبحت (الشورى) مدار الحكم في الإسلام.
وتقوم قاعدة الشورى على مبدأ المساواة بين المسلمين باعتبارهم أخوة في الدين, فمن توفرت فيه الصفات المؤهلة للخلافة فهو صاحب الحق فيها, دون النظر إلى جنسه أو لونه أو ثروته أو مكانته الاجتماعية. فالإسلام سوى بين المسلمين, لا يتفاوتون إلا بتقوى الله تعالى, نزولا عند قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وتقوى الله هي الالتزام بما أمر به وما نهى عنه, وفيها جماع الفضائل التي يجب أن يتحلى بها كل حاكم وهي ميزان التفاضل بين الناس.
ويتم اختيار الخليفة من مجموعة تضم من اجتمع فيه العلم والحزم والتقوى, واتصف بالحكمة والعدالة, وقد عرف هؤلاء بأهل الحل والعقد, فمن وقع اختيارهم عليه بايعوه وبايعه الناس, ويعتبر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أن يسير بسيرته ويستن بسنته ويتبع نهجه, فإذا حاد حق خلعه, فإن استعصى وجب قتاله.
ولما انتقلت الخلافة إلى بني أمية بزعامة معاوية بن أبي سفيان تحقق لهم ما كانوا يطمحون إليه وما كانوا يطمعون فيه, فبدلوا نظام الشورى بنظام الإرث. وقد عهد معاوية بالخلافة من بعده لابنه يزيد وانتزع البيعة له بالمال لمن يخضع للمال, وبالقوة لمن يخضع بالقوة, وانتقلت الخلافة من بعده إلى بني مروان ابن الحكم, بعد أن تنازل عنها معاوية الثاني ابن يزيد بن معاوية واتسع بعد ذلك نطاق الخلفية, فأصبح الخليفة يعهد إلى ابنين أو أكثر من أبنائه يتوارثونها واحدا بعد آخر بالترتيب الذي يقرره, كما فعل عبد الملك بن مروان بن الحكم فقد عهد بالخلافة من بعده إلى أبنائه: الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام. وقد توسط عمر بن عبد العزيز بين سليمان ويزيد بعهد من سليمان.
واستقر نظام الخلافة في الدولة الإسلامية بعد ذلك على نظام الإرث وأصبحت البيعة رسما شكليا يقبل عليها الناس, يتقدمهم الأمراء والكبراء والعلماء, وتؤخذ عليهم الأيمان المغلظة مع الحلف بالطلاق والعتاق لكي لا يتحللون منها . وفي العصر العباسي الثاني لم يعد أحد يبالي بالبيعة بعد أن أصبح مصير الخلافة بيد المتغلبين. وقد ترتب على وراثة الخلافة أمران: الصراع من أجل الخلافة وظاهرة الاستبداد والظلم.
1 - الصراع من أجل الخلافة
في البداية ظهر هذا الصراع بين أسرتين: الأسرة الهاشمية والأسرة الأموية. وبعد زوال الدولة الأموية سنة 131 - 132هـ ثار الصراع بين فرعين من الأسرة الهاشمية الأسرة العلوية الطالبية وزعيمها علي بن أبي طالب والأسرة العباسية وزعيمها العباس بن عبد المطلب يجمعهما جد مشترك هو هاشم بن عبد مناف. وقد كانت هذه الأسر الثلاث تقيم حقها في الخلافة, لا على نظام الشورى, بل على نظام الإرث من السلف إلى الخلف, ولكل منها حجته.
فالأسرة الهاشمية كانت تقيم حقها في الخلافة على قربها من الرسول صلى الله عليه وسلم , وكانت تقدم عليا بن أبي طالب في هذا الحق. والأسرة الأموية كانت تقيم حقها في الخلافة على المطالبة بدم عثمان الأموي واتهام علي بن أبي طالب بالتراخي في حمايته والامتناع عن قتل قاتليه. ولما انتزع الأمويون الخلافة, لم يستسلم الهاشميون لهم ولم يذعنوا, واتخذوا أسلوب الدعوة السرية في الدعوة لأنفسهم وشاركهم في هذه الدعوة العباسيون, واتخذوا شعارا موحدا هو الدعوة (للرضى من آل محمد), أي لمن يرضى عنه المسلمون من آل محمد وانضم إلى دعوتهم الساخطون على الحكم الأموي ومعهم الموالي من الفرس.
ومن خلال الدعوة السرية تجهزت الحملات العسكرية واندفعت لتلاقي محمد بن مروان آخر خلفاء بني أمية في معركة (الزاب), وفيها خسر محمد بن مروان الحرب وانهارت به الدولة الأموية التي دامت 92 عاما.
وبدأ بعد ذلك صراع جديد بين الأسرتين العلوية والعباسية. فقد تمكن العباسيون من انتزاع النصر فبايعوا عبد الله أبا العباس بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس بالخلافة. وتحول التحالف إلى صراع بين العلويين والعباسيين, وقام معه صراع بين العباسيين أنفسهم. فقد عهد الخليفة أبو العباس الذي تلقب بلقب (السفاح) بالخلافة من بعده إلى أخيه أبي جعفر (المنصور) ومن بعده إلى ابن أخيه عيسى بن موسى, ولكن أبا جعفر أجبره على التنازل عن ولاية العهد إلى ابنه محمد (المهدي).

وولى المهدي العهد من بعده إلى ابنه موسى (الهادي) ومن بعده إلى ابنه الثاني هارون (الرشيد). فأراد موسى الهادي أن يخلع أخاه هارونا ويعهد لابنه جعفر القاصر فمانعته أمه الخيزران وكانت تكرهه, وكان موقفها منه من أسباب موته. ولما تولى هارون الرشيد الخلافة ولى عهده ثلاثة من بنيه هم: محمد (الأمين) وعبد الله (المأمون) والقاسم (المؤتمن) على أن يلوا الخلافة بهذا الترتيب, ولما تولى الأمين الخلافة عزل أخاه المأمون من ولاية العهد وعهد بالخلافة من بعده إلى ابنه القاصر موسى, وكان هذا التصرف من أسباب الصراع بينهما وانتهائه بقتل الأمين.
وولى المأمون عهده من بعده إلى أخيه محمد (المعتصم) متجاوزا ابنه (العباس), ولم يطب للعباس ما فعله أبوه فأتمر بقتل عمه مع بعض القادة, ولما تولى جعفر (المتوكل على الله) الخلافة عهد بالخلاقة من بعده إلى ابنه محمد (المنتصر) ثم أراد تقديم أخاه محمد (المعتز) عليه في ولاية العهد, فأتمر المنتصر على قتل أبيه مع قادة من الأتراك ونفذ القتل وتربع المنتصر عرش الخلافة ولم يلبث بها سوى ستة أشهر ثم مات, وقيل مات مسموما.
واستمر الصراع من أجل الخلافة في العصر العباسي الثاني يثيره المتغلبون, كما أوضحنا ذلك من قبل. وقد جرى مثل هذا الصراع في دولة الأندلس, فقد تآمر على قتل عبد الرحمن الداخل ابن أخيه المغيرة, ومعه نفر من أبناء عمومته, فقبض عليهم عبد الرحمن سنة 166هـ وقتلهم. وخلفه في الحكم ابنه هشام (الأول) فثار عليه أخواه سليمان وعبد الله, وامتدت ثورتهما إلى عهد ابن أخيهما الحكم (الأول) ابن هشام وتمكن من القضاء على ثورتهما بقتل الأول واستئمان الثاني والعفو عنه, ولما تولى الإمارة عبد الله (الأول) ابن محمد سنة 275هـ أقدم ابنه المطرف على قتل أخيه محمد, حين علم أن أباه سيعهد إليه بالإمارة من بعده, ثم توالى الصراع من أجل الخلافة, فقتل المستعين ابن عمه محمدا المهدي, ثم قتل المستعين وقتل من بعده المستظهر, وانتقل الصراع إلى الطرائف, فكان بين الأبناء والإخوة والأعمام حروب, استعان فيها كل جانب بملك من ملوك الفرنجة أو بزعيم للمرتزقة وكان أشهرهم (الكمبيادور). ويصبح الملك الإسباني هو الآمر بعد القيام بمهمته, يفرض الإتاوة على من استنصر به, فإذا عجز أو تأخر احتل إمارته وطرده منها.
ولم يظهر الصراع في الدولة الفاطمية إلا في آخر عهودها, حين انتزع المستعلي الخلافة من أخيه نزار وكان أبوه المستنصر قد عهد بها إليه, ثم قتله, وكان قتله من أسباب انقسام الدولة الفاطمية ومعها المذهب الإسماعيلي إلى (مستعلية) و (نزارية), كما أوضحنا ذلك من قبل.
وقد وقف الفقهاء من نظام الإرث في الخلافة موقف المسلم بالأمر الواقع, فأجازوا للخليفة أن يعهد بالخلافة إلى ابنه أو إلى ابن أخيه, ثم أجازوا أن يعهد بالخلافة لعدد من أبنائه يتوارثونها على الترتيب الذي يقرره, كذلك أجازوا خلافة من ينال الخلافة بالغصب, حتى لو كان فاجرا, لكيلا يبيت المسلمون بلا خليفة . وبذلك يدخل في باب الإجازة جميع الخلفاء والملوك والأمراء الذين شملتهم قاعدة الإرث, البر منهم والفاجر.
2 - ظاهرة الاستبداد والظلم
لما انتقل نظام الخلافة من قاعدة الشورى إلى نظام الإرث, وأصبحت البيعة رسما شكليا, تؤخذ بالرغبة أو الرهبة, ادعى الخلفاء أن سلطانهم مستمد من الله, وأنه حق إلهي ممنوح لهم يحكمون الناس بهذا الحق وأن طاعتهم مفروضة على الشعب, لأنها من طاعة الله. وقد أمر الله بطاعتهم في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فمن عصاهم عصى الله, ومن أطاعهم أطاع الله, فهم خلفاؤه.
وقد أضحى اسم الخليفة منذ خلافة عبد الملك بن مروان (خليفة الله) وأن ما يفعله الخليفة وما يأمر به, إنما هو من أمر الله وقدره, فلا يسأل. ومن أجل ذلك حاربوا من يقول بأن الإنسان يخلق أفعاله بقدرته وأنه يسأل عنها, لأنهم إنما يفعلون ما يصدر عنهم بأمر الله, فلا يسألون عما يفعلون.
وقد اتبع خلفاء بني العباس هذا النهج في تبرير سلطانهم, وقد عبر عنه أبو جعفر المنصور في خطبة بيعته بقوله: "إنما أنا سلطان الله في أرضه, أسوسكم بتوفيقه وتسديده". وردد الشعراء هذا المفهوم, فهذا علي بن الجهم يمدح المتوكل فيقول:
وهذا البحتري ينشد المتوكل فيقول:
وأرى الخلافة وهي أعظم رتبة
حقا لكم ووراثــة ما تنزع

أعطاكموها الله عن علم بكم
والله يعطي من يشاء ويمنع



وهذا شاعر آخر يستجدي الخليفة المنصور ويقول:
آل عبـــاس أنتــــم
سـادة النـاس والغـرر

وأولـو الأمــر منكــم
حكمـاء عــلى البشـر

مـــن رأى مـؤمنــا
قـد عصاكم فقـد كفــر

أنــزل اللـــه ذاكـم
قبل في محكـم الســور



وباستمداد الخليفة سلطته من الله, أضحى حقه في الحكم (حقا إلهيا), وسلطانه مطلقا لا رقيب عليه, يتصرف على هواه ويعزو تصرفه إلى قدر الله وتسديده. وقد نشأ عن ذلك انحراف عن خطة الإسلام. فالإسلام لا يسلم بالحكم المطلق, بل يمنح المؤمنين حق الرقابة على أعمال الحاكم وتصرفاته, وهذا الحق مستمد من قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وتمنح هذه الرقابة الحق في نقض بيعة الحاكم وعزله إذا خرج على حكم من أحكام الله .
وقد تأيد حق المؤمنين في رقابة, الحاكم في خطاب أبي بكر حين تولى الخلافة فقال: "أيها الناس, إني قد وليت عليكم ولست بخيركم, فإن رأيتموني على حق فأعينوني, وإن رأيتموني على باطل فسددوني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم, فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى أخذ الحق له, وأضعفكم عند القوي حتى آخذ الحق منه", لقد وضع أبو بكر دستور الحكم وديموقراطيته ودعا الناس إلى مراقبة أعماله, وجعل نفسه القدوة في طاعة الله وتطبيق أحكامه, ومنحهم الحق في عزله إذا حاد عن طاعة الله وخالف أحكامه.
ومن هنا نرى الفارق الجسيم بين حكومة الإسلام التي أوضح قواعدها أبو بكر وكان القدوة الصالحة في ممارستها, وبين أكثر الخلفاء الذين قامت خلافتهم على قاعدة الإرث ومنحوا أنفسهم السلطان المطلق.
وقد ترتب على ممارسة الخليفة سلطانه المطلق نشوب هذا العدد الكبير من الثورات, وكانت ظاهرة احتجاج على الظلم والاستبداد, وقد أنهكت موارد الدولة وأضعفت قوتها.
وكان من مظاهر الاستبداد إكراه الناس على أمر اعتقد الخليفة صوابه وآمن به, كما فعل المأمون حين طلب من الفقهاء أن يؤمنوا معه بأن القرآن مخلوق, فمن لم يستجب له أمر بقطع رزقه, وحبسه, ومنهم من مات في حبسه كما جرى مع أبي مسهر الغساني, شيخ مشايخ الشام .
وسار المعتصم من بعد أخيه المأمون سيرته في امتحان الفقهاء بمحنة (خلق القرآن), فجلد الإمام أحمد بن حنبل حتى تقطع جلده وزاد في الشدة من بعده ابنه الواثق, فقتل الفقيه أحمد بن نصر الخزاعي بيده وصلبه , وأمر بسجن الفقيهين البويطي وابن حماد فماتا مسجونين , وفي الفداء الجاري بين المسلمين والروم سنة 231هـ أمر أن لا يفتك من الأسر من يأبى القول بخلق القرآن, وقد أجاب جميع الأسرى بخلقه. ولم تكن مسألة خلق القرآن من الأمور التي تمس سلامة الاعتقاد, ولكن يكفي أن يكون الخليفة قد اعتقدها ليكره الناس عليها.
ومن مظاهر الاستبداد أن يأمر الخليفة بقتل من يعكر صفو مزاجه, كما فعل الأمين حين جلس يصطبح في بستان قصره - وهو محاصر من قبل جيش أخيه المأمون - فدعا جارية لتغنيه, فغنته بشعر تشاءم منه, فرماها بكأس شرابه وأمر أن تلقى في حظيرة السباع .
ومن مظاهر الاستبداد أن يسأل الخليفة محدثه عن أمر فيجيبه بما لا يسره فيأمر بقتله, كما فعل المتوكل حين سأل ابن السكيت شيخ عصره في النحو واللغة, ومؤدب ولديه المؤيد والمعتز, أيهما أفضل: ولداه أم الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب فكان جواب ابن السكيت إن قنبرا مولاهما أفضل من ولديه, فأمر المتوكل أن يدرج ابن السكيت في بساط وأن يضرب بالسياط حتى يموت, ونفذ فيه حكم الخليفة وضرب حتى مات .
هذه أمثلة من أمثال كثيرة لظاهرة الظلم والاستبداد التي مارسها الخلفاء في العصر العباسي الأول وجاراهم فيها الوزراء والعمال والقادة, وكان أكثر من عانى من قسوة البطش والاستبداد العلويون, أبناء عم العباسيين, وفي ذلك يقول الشاعر دعبل الخزاعي
وليس حي من الأحياء نعلمه
من ذي يمان ومن بكر ومن مضر

إلا وهم شركاء في دمائـهم
كما تشارك أيـسار علـى جـزر

قتل وأسر وتحريق ومنهـبة
فعل الغزاة بأرض الروم والخـزر

أرى أمية معذورون إن قتلوا
ولا أرى لبنـي العباس مـن عذر



وقد وقف الفقهاء أمام مشاهد الاستبداد والظلم فريقين: فريق أراد الدنيا فدخل في دنيا الخلفاء ونال حظه منها, ومنهم من زين أفعالهم فازداد منهم قربا. وفريق أراد الآخرة وسعى لها فتنكب عنهم وصمت على مضض, وأبى أن ينال عملا من ولاية أو قضاء, لكيلا يعمل في ظل حكم جائر فيسأل عنه. ومن هؤلاء الإمام أبو حنيفة النعمان وسفيان الثوري وعبد الله بن إدريس وعبد الله بن وهب ووكيع بن الجراح وآخرون غيرهم .
ويلحق بهذا الفريق من تزهد وتصوف وأعرض عن الدنيا واعتزل أهلها وانصرف إلى عبادة الله والتأمل في ملكوته, فصفت نفسه ورقت وأمتعته بلذة روحانية لا تعدلها لذة الحياة المادية. وبهذا الفريق بدأ عهد التصوف كظاهرة رفض للحياة المترفة واحتجاجا على شيوع الظلم والاستبداد, وكان من أوائل أهل الزهد والتصوف إبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وجعفر بن مبشر والحارث المحاسبي وذو النون المصري .
وقد اشتدت ظاهرة الظلم في العصر العباسي الثاني وتضاعفت مع مضاعفة السلطة بين الخلفاء والمتغلبين. فقد أضيفت إلى وسائل القتل السمل والنفخ والفصد وقطع الأعضاء والحبس في المطامير والتوسيط , والموت عطشا وجوعا والطرح تحت أقدام الفيلة والإلقاء في حظيرة السباع. فكان الخليفة أو القائد المتغلب يختار لمن يقتله الميتة بإحدى هذه الوسائل أو يجمع بينها كما كان يفعل المقتدر والمعتضد, وأصبح القتل عند بعضهم ملهاة, كالقاهر فقد صنع حربة يلهو بها ويرمي بها من يشاء فيقتله .
وفي الأندلس نجد ظاهرة الاستبداد وشدة البطش عند خلفاء بني أمية وعند أمراء الطوائف, وقد تجلت بإقدام بعضهم على ذبح أبنائهم بأيديهم لخروجهم عليهم, كما نوهنا بها من قبل. ومن أشهر أمثلة البطش إقدام المعتضد بن عباد أمير إشبيلية, على الغدر ببعض أمراء الطوائف الذين كان يطمع بالاستيلاء على أملاكهم, فقد دعاهم إلى حفلة أقامها لهم, حتى إذا حضروا أطعمهم ثم حبسهم في مكان مغلق وقتلهم واحتفظ برءوسهم في صناديق, ولهذا العمل سابقة أقدم عليها الخليفة أبو جعفر المنصور فقد وجد في خزائنه جماجم قتلاه من بني أمية .
ولم يكن الفاطميون أقل بطشا بالناس. فقد قتل الحاكم بأمر الله المئات لأنهم أكلوا ما نهى عنه أو خرجوا في وقت منع الخروج فيه, أو فعلوا ما نهى عن فعله. وجرى ابنه الظاهر على سنته فقد روى الإمام السيوطي أنه دعا سنة 423هـ ألفين وستمائة جارية, فحضرن بأكمل زينتهن. فلما اكتمل جمعهن بنى عليهن بيتا ثم أضرم فيه النار فاحترقن .
وقد أدى اشتداد ظاهرة الظلم في العصر العباسي الثاني إلى نشاط التصوف والتفاف العامة حول المتصوفة, يجدون العزاء عندهم والاطمئنان, ويلتمسون في جوارهم الصبر على احتمال الظلم وتعزية النفس بوعيد الله الانتقام لهم, وكان من أشهرهم سري السقطي والجنيد وبنان الزاهد والقشيري وغيرهم.
ثانيا - الزواج من أجنبيات
كانت زوجات وأمهات الخلفاء في عهد الخلفاء الراشدين من شرائف النساء ومن أعراق عربية كذلك كان خلفاء العهد الأموي. فالخليفة لا يولى إذا كانت أمه أعجمية. من ذلك أن مسلمة بن عبد الملك بن مروان كان أولى بالخلافة من سائر إخوته, لما اشتهر به من شجاعة وبطولة, ولكنه لم ينل الخلافة لأنه ابن جارية تسرى بها أبوه .
ولم يشذ عن القاعدة سوى اثنين من خلفاء بني أمية هما: يزيد بن الوليد بن عبد الملك ومروان بن محمد بن الحكم, آخر خلفاء بني أمية, فأم يزيد فارسية تدعى (شاه فرند) وهي بنت فيروز بن يزدجرد بن كسرى, آخر ملوك الفرس . وأم مروان بربرية من قبيلة (نفزة) بالمغرب الأقصى .
أما زوجات وأمهات خلفاء بني العباس فجميعهن من الجواري المحررات, من فارسية ورومية وتركية وأرمنية وبربرية, باستثناء ثلاثة منهم وهم: أبو العباس السفاح والمهدي والأمين. كذلك كانت زوجات وأمهات أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس, فقد كن من نساء النصارى المسبيات أو المهداة إلى الأمراء والخلفاء وفيهن من بنات ملوك وأمراء النصارى الإسبان .
ومن أشهر النساء في دولة بني العباس, الخيزران زوجة المهدي وأم ولديه موسى (الهادي) وهارون (الرشيد), وقبيحة زوجة المتوكل وأم ولده المعتز, وشغب زوجة المعتضد وأم ولده المقتدر. ومن أشهر النساء في دولة الأندلس طروب زوجة الأمير الأموي عبد الرحمن الثاني وأم ابنه عبد الله. وصبح زوجة الخليفة الأموي الحكم المستنصر الأندلسي وأم ولده هشام (المؤيد).
وقد جرى على هذه السنة الوزراء والحجاب وملوك الطوائف, فقد تزوج المنصور بن أبي عامر ابنة (سانشو الثاني) ملك (نافار) ثم تزوج ابنة (برمود الثاني) ملك (ليون), وكان زواجه منهما لغرض سياسي أريد منه التقوي بمن صاهروه على أعدائه من ملوك آخرين أو على أمراء من المسلمين كانوا قد خرجوا عليه. وتزوج المعتمد بن عباد أمير إشبيلية جارية من جواري نخاس يدعى (ابن رميك), فعرفت بالرميكية . كذلك كان شأن الخلفاء الفاطميين.
وقد كان لهؤلاء الجواري الأمهات دورا في سياسة الدولة أدى إلى صراع من أجل الخلافة وانشقاق بين الأخوة وأبناء العمومة, وكان ذلك من أسباب ضعف الدولة وانهيارها.
من ذلك ما كان للخيزران, زوجة المهدي, من شأن في عهد زوجها, فكان الوزراء والكبراء يقفون على بابها لحاجاتهم. ولما تولى ابنها موسى (الهادي) الخلافة أراد الحط من شأنها ومنعها من التدخل في شئون الدولة فعملت على قتله.
وهذه (قبيحة) زوجة المتوكل أغرت زوجها بتقديم ابنها (المعتز) على أخيه المنتصر في ولاية العهد, فكانت سبب قتل زوجها المتوكل.
وهذه (شغب) فقد كان لها الكلمة العليا في قصر الخلافة, ويكفي للدلالة على ذلك أن قهرمانتها تولت النظر في المظالم .
وهذه (طروب) فقد دبرت مؤامرة لقتل زوجها عبد الرحمن بن الحكم لتدفع عن ابنها (عبد الله) منافسة أخيه (محمد) في خلافة أبيه, وقد اكتشف زوجها عبد الرحمن المؤامرة وتغابى عن فعل زوجته وظل محتفظا بإيثاره لها ودلها عليه لفرط حبه لها, وكان له معها خبرا يدل على شدة هيامه بها تراه في ترجمتها.
وهذه صبح زوجة الحكم المستنصر فقد فرضت ابنها (هشاما) لولاية العهد ولما يبلغ الحادية عشرة من عمره.
وهذه الرميكية تفتن زوجها بدلها وتصبيه بجمالها فينطلق في التغزل بها بشعر عذب رقيق, وتصرفه عن أمور الدولة إلى لهو أغرى به ألفونسو السادس الملك الإسباني, فهم بالانقضاض عليه, لولا أن أنجده يوسف بن تاشفين زعيم المرابطين, فدفع عنه الإسبان ثم استولى على ملكه ونفاه إلى المغرب الأقصى مع زوجته وأولاده ولا ريب أن الأمهات الأجنبيات قد خلقن أبناءهن بأخلاقهن ورسخت فيهم تقاليدهن التي نشأن عليها ورفعن إلى سدة الحكم أبناء فيهم من لم يبلغ الحلم, وفيهم من عاش في نعيم القصور فغلب عليه اللهو والمجون, وتولى الحكم أعوان, من وزراء وقادة, فانقادوا لأطماعهم وأهوائهم وكانوا من أسباب انهيار الدولة.

ثالثا - تجنيد الموالي
لما تولى المعتصم بن الرشيد الخلافة قضى على الطابع العربي في الجيش, فسرح العرب ومحا اسمهم من ديوان الجند وأحل محلهم جندا من الأتراك, كان يأتي بهم من تركستان أطفالا, ويتولى تربيتهم وتدريبهم على الحرب والقتال, وقد تربى على حبهم في أحضان أمه التركية, وتمكن بهم من القضاء على ثورة بابك الخرمي وبهم انتصر على الروم في وقعة (عمورية), وعظم شأنهم في عهد الخليفة الواثق ومن بعده المتوكل, وارتقى فريق منهم إلى رتبة القادة.
ونرى الجاحظ يتملق الوزير التركي الفتح بن خاقان في رسالة رفعها إليه, يمتدح فيها مناقب الترك, ويبين الفرق بين ما يمتاز به التركي عن العربي في البسالة ومقارعة الأبطال, ويقول على لسان التركي: (ولنا في أنفسنا ما لا ينكر من الصبر تحت ظلال السيوف القصار والرماح الطوال, ولنا معانقة الأبطال عند تحطم القناة وانقطاع الصفائح, ونحن أهل الثبات عند الجولة, والمعرفة عند الحيرة وأصحاب المشهرات, وزينة العساكر, وحلي الجيوش, ومن يمشي في الرمح بين الصفين مختالا. ونحن أصحاب الفتك والإقدام, ولنا بعد التسلق ونقب المدن التقحم على ظبات السيوف وأطراف الرماح, والصبر على الجراح وعلى جر السلاح, إذا طار قلب الأعرابي...) .
وإذا كان المعتصم قد استطاع أن يقمع بهم ثورة بابك, وأن يهزم الروم في وقعة عمورية فإنه لم يزد بهم شبرا واحدا على الحدود التي وقف عندها الفتح العربي في عهد بني أمية, وقد تم بسواعد عربية. ذلك أن الأتراك كانوا مقاتلين ولم يكونوا مجاهدين يعملون لنشر رسالة ودعوة إيمان.
ومن ذلك الوقت أضحى الإسلام في حالة دفاع عن الحدود التي وقفت عندها فتوح الخلفاء الراشدين ومن بعدهم بنو أمية. وقد تحول الجند الموالي إلى جنود مرتزقة, يعتصبون إذا ما تأخرت أرزاقهم ويهددون بالعصيان وقد رتبوا لأنفسهم حقوقا عند نصب الخليفة يعرف برسم البيعة,.
وهكذا حل الجنود المرتزقة من ديلم وفرس محل العرب, وفقدت ساحات الجهاد الساعد القوي وقبضة السيف الصارم, فوقفت الفتوح عند الحدود التي عادت فيها السيوف العربية إلى أغمادها.
رابعا: حياة الترف والسرف
عاش الأعرابي قبل الفتح الإسلامي مترحلا بين البوادي, من مكان يقيم فيه ثم يرحل عنه, لا يخلف فيه سوى بقايا أثاف كان يرفع قدره عليها, فيصبح بعد رحيله طللا, فإذا مر به بعد ذلك وقف عنده فنثر ذكرياته وحنينه بشعر يفيض رقة وعذوبة, ولم يكن يعرف من العيش, إلا ما كان يتوفر له من (مذيقة) يشربها وبضع تميرات يتبلغ بها, فإذا ما أصاب شيئا من ذلك, صح عزمه واشتد ساعده, وغدا ليث حرب لا يقارع, وقد وصف حياته بقوله:
إذا ما أصبنا كـل يـوم مذيقـة
وخمس تميرات صفار كوانـز

فنحن ملوك الأرض خصبا وغبطة
ونحن ليوث الحرب عند الهزائز



ولما قدم ذلك الأعرابي إلى العراق فاتحا, رأى عجينا مبسوطا, فظنه قماشا, فلما أكله مخبوزا استطابه وقال: هذا والله رقيق العيش, ومن ثم دعي بالرقاق. ثم رأى الكافور فظنه ملحا, فلما ذاقه وجده مرا فطرحه .
ثم أخذت الفتوحات تتوالى وتتسع حتى بلغت منتهاها في العصر الأموي, فانبسطت له أسارير الدنيا وأخذ يعب من أفاويقها . وفي العصر العباسي بلغ السرف غايته عند الخلفاء والأمراء والوزراء وسراة الناس, وتطاولت القصور, واتسعت الدور, تخطر في أبهائها جوار كنس من كل جنس ولون. فيهن الحسان للمتعة وفيهن القيان للغناء, وأصبحت المذيقة والتميرات الخمس الكوانز ورسوم الأثافي الدوارس التي كانت تستوقف ذلك الأعرابي وتثير ذكرياته وعبراته, محل تندر وفي ذلك يقول أبو نواس
قل لمن يبكي على رسم درس
واقفا, ما ضر لو كان جلس?



وقد حفلت قصور الخلفاء بمجالس الطرب, يرتادها الشعراء ويتبارون بوصف ما يجري فيها من لهو وعبث, فينالون بما تجود به قرائحهم وتنطلق به لهواتهم, الجوائز على أقدارهم. وقد دونت أخبار تلك المجالس وما كان يجري فيها من إسراف باللهو والمجون في دواوين الشعراء وكتب الأدب والأخبار.
وتروي لنا أخبار العصر العباسي الأول مشاهد اللهو والعبث في مجالس الخلفاء, وما كان يدور فيها من الشراب, يعبون منه حتى تميل الكئوس بالرءوس. وأصبح الإفصاح عن الخمرة أمرا شائعا لا حرج فيه فهذا أبو نواس يقول:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر
ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر



وهذا ابن هرمة يقول:
أسأل الله سكرة قبل موتي
وصياح الصبيان يا سكران



ويروي لنا الطبري أن المتوكل شرب ليلة قتله حتى أخذ منه الشراب وجعل يأكل وهو سكران . ولم يكن الوزراء والكتاب أقل ولعا بالشراب من أسيادهم الخلفاء ومنهم طاهر بن الحسين وعمرو بن مسعدة والحسن بن رجاء والحسن بن وهب .
ويروي الإخباريون أن ابن وهب ما كان يصحو من الشراب وكان لا يحتسب من عمره يوما يمر لا يشرب فيه ولا يستمع فيه إلى غناء, وفي ذلك يقول:
إذا كان يومي غير يوم مدامة
ولا يوم قينات, فما هو من عمري

وإن كان معمورا بعود وقهوة
فذلك مسروق لعمري من الدهـر



وكانت الأديرة تشد إليها طلاب الخمرة المعتقة, وقد أعدت لطلابها كل ما ينعش القلب ويجلو الهم ويلذ السمع ويبهج الأبصار. وقد شحذت قرائح الشعراء بأرق الشعر وأحلاه, من ذلك ما قاله جحظة البرمكي في دير العذارى .
ألا هل إلى دير العـذارى ونظـرة
إلى من به قبل الممات سبيل

وهل لي به يوما من الدهر سكرة
تعلل نفسي والمشوق عليـل

غدونا على كأس الصبوح بسحرة
فدارت علينا قهـوة وشمول

نريد انتـصـابا للمـدام بزعمنا
ويرعشنا إدمـانها فنـميـل

سقى الله عيشا لم يكن فيه عيشة
أتم ولم ينكـر علـى عـذول



ولم يكن ارتياد الأديرة مقصورا على الشعراء وغيرهم من طلاب النشوة بل كان يرتادها الخلفاء والوزراء والكبراء, وقد روى أبو الفرج الأصبهاني أن الرشيد كثيرا ما كان ينزل هذا الدير ويشرب فيه . ومثله أحمد بن عبيد الله الخصيبي وزير المقتدر فقد كان مدة وزارته مشغولا بالشراب وقد وكل الأمور إلى نوابه فأمنوا بذلك مصالحهم .
ومن مشاهد اللهو والعبث ومظاهر الترف والسرف ما روي عن ترف الخليفة المقتدر, فقد كان مبذرا مؤثرا للشهوات, وقد وزع جواهر الخلافة ونفائسها على حظاياه. ومن فنون لهوه أنه أراد في يوم أن يشرب على نرجس في بستان قصره, وكان وقت تسميد الزرع, فاستبدل السماد بالمسك, بمقدار ما احتاج إليه البستان من السماد وسمد به, وجلس يشرب يومه وليلته, واصطبح من غده, فلما قام أمر بنهب المسك, فانتهبه الخدم والعاملون في البستان واقتلعوه من أصول النرجس, وخرج منه مال عظيم .
ومن مشاهد الترف والسرف ما كان ينفق في أعراس الخلفاء, ففي عرس الرشيد على زبيدة بنت جعفر بن المنصور, قدم الرشيد ما لم يقدم لامرأة قبلها من الجوهر والحلي والتيجان والأكاليل وقباب الفضة والذهب والطيب والكسوة, وقد بلغت نفقة هذا العرس من مال بيت المال - سوى ما أنفقه الرشيد - خمسون ألف ألف (مليون) درهم. وفي عرس المأمون على بوران بنت الحسن بن سهل وزعت رقاع بأسماء ضياع وقصور وصلات, وجعلت الرقاع في بنادق المسك, ونثرت بين أيدي العروس, فكان الذي يلتقط شيئا يحبس عليه, وقد قدرت نفقة ذلك العرس بأربعين ألف ألف (مليون) درهم, عدا ما أنفقه والد العروس .
ومن مشاهد الترف والسرف ختان أبناء الخلفاء, فقد حفظ التاريخ لنا وصفا مسهبا لاحتفال الخليفة المتوكل بختان ولده المعتز, وقد بلغت نفقاته ستة وثمانين ألف ألف درهم, وقيل إن الناس كانوا يستكثرون ما أنفق في عرس المأمون ثم أتى ما أنفق في ختان ابن المتوكل ما أنسى ذلك .
ومثله ما أنفقه الخليفة الأندلسي عبد الرحمن الناصر في إعذار (ختان) حفدته بقصر الزهراء .
ومن مشاهد الترف والسرف النهم في الطعام وفي النكاح. فالأعرابي الذي كانت ترويه رشفة لبن وتشبعه بضع تميرات, بها كان يشتد ساعده وتقوى عزيمته, قد زهد في مطعمه ومشربه حين أضحى منه الخليفة والأمير والقائد والوزير, وأقبل على المطاعم الشهية, تقدم إليه في أوان من ذهب وفضة, يأكل مما فيها بنهم شديد, فلا يكاد يشبع, وتدار عليه الخمرة في كئوس, تشع من خلالها أنوارها فيصيب منها ما يشاء ولا يكاد يرتوي. ثم يخلو بمن شاء من جوار كنس, فتمتعه بكل فنون الحب وتصبيه وتنال بدلها كل ما تشتهي. وقد يعلو سلطانها على سلطانه, فيجمع بين طيب الطعام وطيب المضجع, وهو ما يسميه العرب بالأطيبين: النكاح والطعام.
وقد أدى الإفراط فيهما إلى اعتلال أمزجة من ولي السلطة من خليفة أو سلطان, وموتهم في سن مبكرة, فقد مات أكثرهم في ميعة الصبا والشباب, وقليل منهم من تجاوز الخمسين من عمره, وكان لاعتلال أمزجتهم أثر في سياسة الدولة. وكيف يرجى ممن كان همه الأطيبان أن يسوس دولة, وقد ضنى جسمه واعتل مزاجه ووهنت أعصابه, فأصبحت كلمة من يرضى نهمه أو يوفره له هي العليا, وضعفت نفسه عن تحمل ما لا يرضيه, فيأخذ بالظنة, ويحكم السيف في الرقاب, وقد أزاح سيف الجلاد ميزان العدل فأصمت الحق, وأضحى قوله مهلكة يطلبها من أراد الاستشهاد .
ولم تقتصر مجالس الخلفاء ومن سار سيرتهم من السلاطين على مشاهد الترف والسرف بل كانت تحفل باللهو والعبث, فكان الندماء يقومون بضروب اللهو الماجن, وربما تحلل الحضور من أبهة الملك لمزيد من العبث. وقد تأسى الوزراء والكبراء بسيرتهم ومنهم من كانت تجري في مجالسهم مشاهد فيها نوع طريف من اللهو, من ذلك ما رواه ابن خلكان وغيره عن الوزير المهلبي, وزير معز الدولة البويهي سلطان بغداد .
فقد روى إنه كان من ندمائه قضاة وفقهاء, منهم القاضي علي بن محمد التنوخي والقاضي أبو بكر بن قريعة والقاضي ابن معروف وآخرون, فكان يجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على أطراح الحشمة والتبسط في القصف الخلاعة, فإذا أصبحوا عادوا كعادتهم إلى التوقر والحشمة .
http://www.mexat.com/vb/threads/47750-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A

السمات التي يتميز بها العصر العباسي الثاني

السمات التي يتميز بها العصر العباسي الثاني


أولا - تغلب المتغلبين على الخلافة
يعتبر إقدام القادة الأتراك على قتل الخليفة المتوكل على الله في الخامس عشر من شهر شوال سنة 247هـ, بداية العصر العباسي الثاني, وفيه استبد القادة بالسلطة, وأصبح الخليفة طوع إرادتهم وأسير هواهم, وقد عبر عن ذلك شاعر فقال:
خليفـــة فـــي قفــص
بيـن وصيـف وبغـا

يقــول مـــا قــالا لـه
كمــــا تقول الببغا



وقد أصبح مصير الخلافة في أيديهم, فمن شاءوا خلعوه ثم قتلوه, ومن شاءوا ألزموه خلع نفسه وسملوه وصادروا أمواله. وحين خلع الخليفة أحمد المستعين بالله, وهو أول خليفة خلع, لم يلبث أن قتل بعد خلعه.
وقد تنبأ الناس بمصير من تتابع بعده من خلفاء بني العباس, وسار في الناس شعر قيل في ذلك اليوم يقول:
خـــلع الخليفـــة أحـمد
وسيقتل التالي لـه أو يخلع

إيهـا بنـي العباس إن سـبيلكم
في قتل أعبدكم سبيل مهيع

رقعتــم دنيـــاكم فتمـزقت
بكــم الحياة تمزقا لا يرقع



ولما استولى البويهيون على السلطة بعد الأتراك, اتبعوا نهجهم, فكان الأمير البويهي يولي الخلافة من يشاء ويخلع من يشاء وكان الخلع كثيرا ما يتم بالذل والهوان, ويصف لنا الشريف الرضي بقصيدة مؤثرة مشهد خلع الخليفة الطائع في يوم عرف بيوم الدار .
وكان خلع الخليفة يوم ابتهاج عند الجند, ففيه يجري نهب دار الخلافة وفيه يطالب الجند الخليفة الجديد برسم (بيعته). وكان يجري على الخليفة المخلوع نفقة قد لا تكفيه, فيضطر إلى التكفف واستعطاف الناس, كما جرى للخليفة القاهر بالله بعد خلعه ومصادرة أمواله وسمله, فكان يخرج إلى جامع المنصور ويتكفف المصلين ويقول: تصدقوا علي فأنا من قد عرفتم .
وقد تحقق ما قيل في خلفاء بني العباس من خلع وسمل وقتل. فقد توالى على الخلافة منذ خلافة المنتصر بالله سنة 248هـ إلى خلافة المستظهر بالله سنة 487هـ, أي خلال 239 سنة, سبعة عشر خليفة, منهم أربعة قتلوا وهم: المستعين بالله والمعتز بالله والمهتدي بالله والمقتدر بالله, ومنهم ثلاثة خلعوا وسملوا وهم: القاهر بالله والمتقي لله والمستكفي بالله, ومنهم اثنان أجبرا على خلع نفسيهما وهم: المطيع والطائع, وهناك خليفتان قيل في بعض الروايات أنهما قتلا بالسم وهما: المعتمد على الله والمعتضد بالله, فيكون مجموع من قتل وخلع ومات بالسم عشر خلفاء.

ثانيا - عزل الوزراء ومصادرتهم

لم يكن حال الوزراء بأفضل من حال الخلفاء, فكان الوزير يأتمر بأمر المتغلبين, فإذا غضبوا عليه عزلوه وصادروا أمواله, وقد يقتلونه, كما جرى للوزير أحمد بن إسرائيل ولكاتبه عيسى بن نوح. فقد صادرهما القائد التركي صالح بن وصيف وقتلهم ضربا بالسياط . ومثل ذلك بل أشد جرى لكثير من الوزراء.
وكثيرا ما كان الوزير يُنصب ثم يُعزل, ويتكرر نصبه وعزله عدة مرات لا يفصل بينهما إلا أمد قصير, وغالبا ما كان ينتهي عزله بمصادرته وقتله, ومع ذلك فإن الكثيرين كانوا يطمعون في تولي الوزارة, ويبذلون المال في سبيل توزيرهم.
ذلك أن الوزارة كانت موردا للثراء الفاحش عن طريق الرشاوى, من ذلك أن محمد بن عبيد الله بن خاقان وزير المعتضد بالله كان يأخذ الرشوة من كل طالب وظيفة, وربما عين للوظيفة الواحدة عددا من الموظفين, وقيل إنه عين في يوم واحد تسعة عشر ناظرا للكوفة وأخذ من كل واحد رشوة. وإذا كان الوزير حسن السياسة, وكان ذا دهاء وذكاء فإنه يستطيع أن ينال من الخليفة أو الأمير البويهي تفويضا بتصريف أمور الدولة, وكان أهمها ضمان الخراج وتعيين الولاة والعمال والقضاة والكتاب, فيكون للوزير على من يوليه جبايات يجني منها ربحا وفيرا, ويثري به ثراء فاحشا.
من أجل ذلك كانت الوزارة هدفا للدسائس من حاسدي الوزير, الطامعين في منصبه, فإذا أفلح الدس على الوزير عزل وصودرت أمواله, وكان ما يصادر يعد بآلاف الآلاف من الدنانير, ومع ذلك فقد يسلم له الكثير مما يكون قد طمره في حفرة, أو أخفاه في مكان بعيد. لذلك كانوا يعتبرون الوزارة مركز ابتلاء ونقمة, ولا تلبث أيامها القصار أن تنتهي ببلاء حتي قيل في ذلك:
إذا أبصرت فـي خلع وزيرا
فقل أبشر بقاصمة الظهور

بأيام طـوال فــي بـلاء
وأيام قصار في سـرور



وكثيرا ما كان يصح الرأي في الوزير المعزول أو تنجح الشفاعة فيه, فيستوزر للمرة الثانية والثالثة, فإذا عاد, كان أول ما يفعله بطشه بخصومه وجمعه عن طريق الجبايات والرشاوي ما فقده بالعزل والمصادرة, وفي ذلك يقول شاعر من شعراء ذلك العصر:
وزير لا يمل مـن الرقاعة
يولي ثـم يعزل بعـد ساعة

إذا أهل الرشا صاروا إليه
فأحظى القوم أوفرهم بضاعة

ثالثا - ارتزاق صنائع الوزراء

كان لبعض الوزراء صنائع يتكسبون بسلطانهم بأسباب كثيرة.
من ذلك ما روي عن عبيد الله بن وهب وزير الخليفة المعتمد على الله فقد فعل هذا الوزير ما أسخط عليه الموفق بالله, أخو الخليفة والمتغلب عليه. فطلبه فهرب واستتر عند تاجر من تجار بغداد يدعى عبد الله بن أبي عون, ثم صالحه الموفق وعفا عنه. ولما تولى المعتضد بالله بن الموفق الخلافة استوزره, فأراد أن يكافئ ابن أبي عون وحصل له على مائة ألف دينار بالطريقة الآتية: باعه مائة ألف (كر) من غلات الخلافة, وانتقص من قيمة كل كر دينارا.
كذلك سمح له أن يتوسط في قضاء حاجات الناس لقاء مبلغ يقبضه منهم, وكان الوزير يسأله عما يأخذه من كل قضية, فإذا وجد ما قبضه قليلا قال له: هذه القضية تساوي أكثر مما قبضت فارجع فاسترد, فإذا قال له: إنني أستحي, قال له الوزير: عرفهم أني لا أقضي لك حاجتهم إلا بهذا القدر, وأني رسمت لك هذا, فيرجع فيستزيد فيزيدون له وقد جرى ابنه القاسم بن عبيد الله على هذه الخطة عندما خلف أباه في الوزارة,
فقد روي أن إسحاق الزجاج الإمام في اللغة والنحو, كان مؤدبا للقاسم وهو صغير, فقال له يوما: إن بلغك الله مبلغ أبيك في الوزارة, ما تصنع بي؟ فقال: ما أحببت, فقال له: تعطيني عشرين ألف دينار, فقال: نعم. وولي القاسم الوزارة في عهد الخليفة المعتضد بالله والخليفة المكتفي بالله, وجاء الزجاج يستنجز الوعد, فأمره أن يجلس للناس ويأخذ رقاعهم للحوائج الكبار ويتقاضى أجرا عليها, فجمع بذلك أضعاف ما كان يتمناه بعلم الوزير


رابعا - ابتداع الألقاب والكنى
كان خلفاء بني أمية يتكنون, على عادة العرب, بأسماء أكبر أبنائهم ويلقبون بأمير المؤمنين, كما كان يلقب الخلفاء الراشدون من عهد عمر بن الخطاب .
ولما انتقلت الخلافة إلى بني العباس أضافوا إلى هذا اللقب ألقابا تدل على صفة يتميز بها الخليفة. فقد عرف عبد الله أبو العباس أول خليفة عباسي, بلقب (السفاح) وتلقب أخوه عبد الله أبو جعفر بلقب (المنصور) وتلقب ابنه محمد من بعده بلقب (المهدي) وتلقب من بعده ولداه, موسى وهارون بلقب موسى (الهادي) وهارون (الرشيد). ولقب الرشيد أولاده الثلاثة: محمد وعبد الله والقاسم بلقب محمد (الأمين) وعبد الله (المأمون) والقاسم (المؤتمن).
ولما تولى الخلافة محمد بن الرشيد خلفا لأخيه المأمون ابتدع لقبا, أضافه إلى اسم الله تعالى فتلقب بمحمد (المعتصم بالله), وجرى الخلفاء من بعده على تقليده, وأصبح الخليفة يعرف بلقبه.
ولما استبد القادة الأتراك بالسلطة منح الخليفة إلى من بيده السلطة منهم لقب (أمير الأمراء) وجاء من بعدهم المتغلبون من بني بوية فأضفى عليهم الخليفة العباسي ألقابا فيها معنى الاعتراف بسلطانهم, فلقب أحمد بن بوية بلقب (معز الدولة) ولقب أخاه عليا بلقب (عماد الدولة) ولقب أخاه الحسن بلقب (ركن الدولة), وتولى تلقيب أبنائهم من بعدهم بمثل تلك الألقاب, كعضد الدولة وجلال الدولة وبهاء الدولة وفخر الدولة.
ولم يكتف بنو بوية بهذه الألقاب, بل أضافوا إليها لقب (السلطان), ومنهم من تلقب بلقب (شاهنشاه) أي ملك الملوك. ثم سرت هذه الألقاب بعد ذلك إلى أمراء الأقاليم المستقلين, فكان من الحمدانيين في الموصل وحلب: ناصر الدولة وسيف الدولة وشبل الدولة, وتبعهم بعد ذلك أمراء بني عقيل في الجزيرة وملوك الإخشيد في مصر, وسلاطين غزنة وكان منهم: ناصر الدولة سبكتكين ويمين الدولة محمود وشهاب الدولة وجمال الدولة وكمال الدولة, وإلى هذه الألقاب أضيفت أيضا كنى كأبي الفضائل وأبي المعالي وما شابه ذلك.
كذلك منح الوزراء وكبار الكتاب المترسلين في ديوان الخلافة ألقابا ترمز إلى مكانتهم وتدل على رتبهم. فقد منح المأمون وزيره الفضل بن سهل لقب (ذو الرئاستين) ومنح أخاه الحسن لقب (ذو الكفاءتين) ومنح طاهر بن الحسين لقب (ذو اليمينين). وجرى الخلفاء من بعده على هذا النحو. فقد لقب الخليفة المعتضد بالله وزيره أبا القاسم علي بن المسلمة بلقب (رئيس الرؤساء) ومنح وزيره محمد بن جهير لقب (فخر الدولة). ولقب الخليفة المستظهر وزيره علي بن محمد بن جهير بلقب (زعيم الرؤساء).
وقد أصبحت الكنى والألقاب في العصر العباسي الثاني موردا للخلفاء, وخاصة بعد أن رفعت عن أيديهم أموال بيت المال في عهد معز الدولة البويهي فكان الخليفة يبيع الألقاب لمن يطلبها, وفي ذلك يقول أبو بكر الخوارزمي:
أما رأيت بني العباس قد فتحوا
من الكنى ومـن الألقاب أبوابا

ولقبوا رجـلا لو عاش أولهم
ما كان يرضى به للقصر بوابا

قـل الدارهم في كفي خليفتنا
هذا فأنفـق في الأقـوام ألقابا



وقد نهج الخلفاء الفاطميون نهج الخلفاء العباسيين في الألقاب, فكان منها المهدي بالله والعزيز بالله والمعتز بالله والحاكم بأمر الله والمستنصر بالله, وفي الأندلس تسمى عبد الرحمن الثالث بن محمد بالخليفة واتخذ لنفسه لقب الناصر لدين الله ونهج أخلافه نهجه, فكان منهم المؤيد بالله والمستعين بالله والمستظهر بالله والمعتد بالله.
واتخذ ملوك الطوائف في الأندلس الألقاب فكان منهم المعتضد بالله ملك أشبيلية وابنه المعتمد على الله وكانت هذه الألقاب على ضخامتها لا تمثل لمن اتخذها لنفسه شيئا من معانيها, حتى تندر بها الشاعر ابن عمار فقال:
مما يزهـدني فـي أرض أندلس


خامسا - مظالم عمال الخراج

يشمل الخراج ضريبة ما تخرجه الأرض من ثمرات ومحاصيل, وكان يتولى جبايتها مع جباية موارد الدولة الأخرى عمال يدعون (عمال الخراج) وكانوا يتمتعون بسلطة كبيرة. وقد عرفوا بالظلم والعسف فكانوا يجبون أضعاف ما كانوا يضمنون أداءه للدولة.
وقد روى المؤرخون ما كان يجري على أيديهم من المظالم, وما كان يلقى المكلفون من صنوف العذاب. وقد وصف ابن المعتز في أرجوزة نظمها ما كان يلقى المكلفون من أنواع التشهير والتعذيب في أداء ما يفرض عليهم فيقول:
فكم وكم مــن رجـل نبيل
ذي هيبـة ومـركب جـليل

رأيته يعــتل بالأعــوان
إلى الحـبوس وإلـى الديوان

حتى أقيم في جحـيم الهاجرة
ورأســه كمثل قـدر فائره

وجعلوا فــي يــده حبالا
مـن قنـب يقطع الأوصـالا

وعلقوه فـي عـرى الجدار
كأنـه بـرادة فـي الــدار

وصفقوا قفاه صفـق الطبل
نصبا بعيــن شـامت وخل

وحمروا نقرته بيـن النقـر
كأنها قد خجلت ممــن نظر

إذا استغاث من سعير الشمس
أجابه مسـتخــرج برفس

وصـب سـجان عليه الزيتا
فصـار بعــد بــزة كميتا

حـتـى إذا طال عليه الجهد
ولم يكـن مـما أراد بــد

قال أذنوا لي أسال التجـارا
قرضا, وإلا بعتهـم عقـارا

وأجـلوني خمـسـة أياما
وطــوقوني منـكم أنعاما

فضـايقوا وجعلوهـا أربعة
ولم يؤمل في الكلام منفعـة

وجاءه المعينـون الفجـرة
وأقرضوه واحـدا بعشــرة

وكتبوا صكا ببيع الضيعـة
وحـلفــوه بيميـن البيعة

ثم تأدى ما عليه وخـرج
ولم يكن يطمع في قرب الفرج

وجاءه الأعــوان يسألونه
كأنهـم كـانـوا يــذللونه

وإن تلــكأ أخـذوا عمامته
وخمشوا أخدعـه وهـامته



في هذء الأرجوزة وصف صادق من شاهد عيان, ومن كابن المعتر, وهو ابن خليفة وخليفة وشاعر وجداني كبير, يستطيع أن يصف ما كان يعانيه المكلف بالخراج من تعذيب.
كان إذا عجز عن أداء خراج ضيعته سلط عليه عامل الخراج أعوانه فيأخذونه من تلابيبه ويجرونه إلى الحبس جرا ثم يقيدونه بالحبال المصنوعة من (القنب) ويعلقونه في عرى الجدار ثم يأخذون في صفعه أمام الناس وفيهم العدو الشامت به والصديق المتأسي له, فإذا استغاث من ألم الضرب وسعير الشمس رفسه الأعوان وصب عليه السجان الزيت فشوه هيئته, وإذا اشتد عليه العذاب طلب أن يمنحوه خمسة أيام ليجمع المبلغ المطلوب منه ببيع عقاره فلا يمنح إلا أربعة أيام, وحين يسمع المرابون بأمره, يستغلون محنته, وأقرضوه كل قرش بعشرة أمثاله, وكتبوا عليه صكا, وألزموه حلف الأيمان, واستكتبوه صكا ببيع ضيعته إذا تأخر في الوفاء فيضطر للإذعان, فإذا حصل على المال أتاه أعوان عامل الخراج ليستوفوا أجرهم, فإذا تلكأ أخذوا عمامته وخمشوا وجهه وهامته.
ثم يصف ابن المعتز في أرجوزته, ما كان يصنعه عمال الخراج في استيفاء الضريبة من التجار. كانوا إذا امتنع أحدهم عن دفع ما يفرضون عليه, ادعوا عليه أن السلطان أودعه وديعة وعليه أن يردها, فإذا أنكر ذلك صبوا عليه أسواط العذاب.
ومثل ذلك يفعلون مع من يرث ميراثا ضخما, فكانوا يعملون على الاستيلاء على ميراثه, أو يشركونه فيه, فإذا رفض سجنوه وأخذوا في تعذيبه حتى ينالوا ما يريدون وفي ذلك يقول ابن المعتز
وويل من مات أبوه موسرا
أليس هذا محكما مشـهرا

وطال في دار البلاء سجنه
وقال: من يدري بأنه ابنه

وأسرفوا في لكمه ودفعـه
وانطلقت أكفهم في صفعه

ولم يزل في أضيق الحبوس
حـتى رمى إليهم بالكيس

وتاجر ذي جـوهر ومـال
كان من الله بأحسـن حل

قيل له: عندك للسلطــان
ودائـع, غاليـة الأثمان

فقال: لا والله مـا عندي له
صغـيرة من ذا, ولا جليله


وإنما ربحـت في التجـارة
ولم أكن في المال ذا خساره

فدخـنوه بـدخان التبــن
وأوقـدوه بثـفال اللـبن

حتى إذا مـل الحياة وضجر
وقال: ليت المال جمعا في سقر

أعطاهم ما طلبوا فانطلقـا
يستعمل المشي ويمشي العنقا



وقد جمع عمال الخراج مما جنوه ثروات كبيرة, ملكوا بها الضياع وبنوا الدور والقصور وعقدوا فيها مجالس الطرب والسمر والشراب, وقصدهم الشعراء يتكسبون بمدحهم, وقد اشتهر منهم إبراهيم وأحمد ابني عبد الله بن المدبر.
فكان الأول عامل الخراج في البصرة والأهواز أيام الخليفة المعتضد وكان الثاني عامل الخراج في مصر والشام أيام الأمير أحمد بن طولون وقد مدحهما البحتري ونال منهما خيرا وفيرا .
وقد يتولى الوزير مع وزارته ضمان الخراج, فيجبي بسلطانه مالا كثيرا, يؤدي بعضه إلى بيت المال ويوفر لنفسه ما تبقى.
من ذلك أن حامدا بن عباس وزير الخليفة المقتدر, ضمن خراج سواد بغداد والكوفة والأهواز بمبلغ دفعه إلى بيت المال, وجبى بسلطانه أضعاف ما أداه, واحتكر الغلال حتى ضج الناس من ارتفاع أسعارها, فعزله الخليفة وصادر منه ألف ألف (مليون) دينار, ثم نفاه إلى واسط وتولى علي بن أحمد الراسبي ضمان الخراج من حدود واسط إلى شهرزور بمليون وأربعمائة ألف دينار في السنة وذلك في عهد الخليفة المقتدر, ولما مات خلف أموالا كثيرة استولى الخليفة منها على مليون دينار .
سادسا - مصادرة الأموال

لم تقتصر المصادرة على أموال من يخلع من الخلفاء أو يعزل من الوزراء والعمال, بل شملت أموال الناس وخاصة التجار منهم, فكان الخليفة العباسي أو السلطان البويهي, إذا أعوزه المال أمر بمصادرة التجار.
من ذلك أن الموفق بالله, وكان صاحب السلطة في خلافة أخيه المعتمد على الله أمر الوزير صاعد بن مخلد أن يلزم التجار بتوفير المال لتزويد جيش يرسله لمحاربة عمرو بن الليث الصفار فلما لم يجد منه العزم على تنفيذ ما أمر به, أمر بمصادرة أمواله وأموال أخيه عبدون بن مخلد, وقد بلغ قيمة ما صادره من أموالهما ألف ألف (مليون) دينار, وأمر بحبس صاعد .
وقد تكون المصادرة انتقاما من تاجر ثري, كما جرى لعبد الله بن الجصاص فقد أمر الخليفة المقتدر بمصادرته, لأنه آوى عبد الله بن المعتز بعد خلعه من الخلافة, وبلغ ما صودر منه ستة ملايين دينار سوى ما حمل من داره .


سابعا - فساد القضاء
القضاء هو الأداة التي تضمن سلامة المجتمع وأمنه بإشاعة العدل والمساواة بين أفراده. ويشترط في القاضي أن يكون عالما بأحكام الشرع, مراعيا مقاصده ومجتهدا فيه, وأن يكون عفيفا, غير طامع في مال ولا مغتر بجاه ولا مطيع لسلطان في غير ما أمر الله.
وكان القاضي يرتزق من بيت المال في حدود حاجته وقد يتورع فيقضي بغير أجر. ومن الفقهاء من كان يعتبر القضاء محنة وابتلاء فيأبى توليه مخافة أن يصدر في قضائه عن جور أو يلحق ظلما بأحد, فيبوء بخسران يقاضيه الله عليه. ففي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: قاض في الجنة وقاضيان في النار فهو يخشى أن يكون أحد القاضيين.
وهذا أبو حنيفة يريده الخليفة المنصور العباسي على القضاء فيمتنع, فيأمر المنصور بضربه بالسياط, ثم يأمر بحبسه, وفي قول إنه مات في الحبس . وهذا سفيان الثوري يكتب إليه الخليفة المهدي بولاية قضاء الكوفة على أن لا يتعرض أحد لحكم من أحكامه, فيأخذ العهد ويرميه في دجلة ثم يتوارى . ومثله إسماعيل بن إبراهيم الأسدي المعروف بابن علية وعبد الله بن وهب وكثيرون غيرهم ممن تحرج من تولي القضاء فامتنع عن قبوله.
هكذا كان شأن القضاء فيما مضى حتى العصر العباسي الثاني, فقد تأثر بفساد العصر وأصبح وسيلة للارتزاق, وارتقى إليه من ليس من أهله. ففي عهد الخليفة المقتدر, ولى وزيره أبو الحسن بن الفرات القضاء تاجرا كان أسدى إليه معروفا .
ومضت فترة جرى فيها تضمين القضاء. ففي عام 350هـ ضمن السلطان معز الدولة البويهي قضاء بغداد لأبي عبد الله بن أبي الشوارب ومعه قضاء القضاة, لقاء مائتي ألف درهم يدفعها كل سنة إلى خزانة السلطان .
وكان تضمين القضاء وسيلة للرشوة, ويبدو أنها كانت مألوفة عند بعض أبناء أبي الشوارب, وأكثرهم ممن تولى القضاء فقد روى ابن كثير أن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي الشوارب, قاضي بغداد كان ينسب إلى أخذ الرشوة في الأحكام والولايات . على أن هذه الأسرة قد تولى أكثر أبنائها القضاء, وكانوا على جانب كبير من العلم والورع, غير أن الفساد سرى إلى بعضهم, وكان فساد القضاء كما يقول صاحب المنتظم, أول ما انحل من سياسة الملك .
وقد أورد محمد بن سعد الزهري المتوفي عام 230هـ مقارنة بين قضاة صدر الإسلام وقضاة زمانه فقال: كان الرجلان يتقاولان بالمدينة في أول الزمان فيقول أحدنا للآخر: لأنت أفلس من القاضي, فصار قضاة اليوم ولاة وجبابرة وملوكا وأصحاب غلات وضياع وتجارات وأموال .

ثامنا - الفتن
أ - الفتن المذهبية ثارت بين الشيعة وبين أهل السنة, وخاصة الحنابلة منهم, فتن كان مسرحها بغداد . وقد بدأت في أوائل القرن الرابع الهجري وامتدت إلى أواخر القرن الخامس الهجري, وكانت تتوالى الفتن عاما بعد عام, وكثيرا ما كانت تشتد, فينشب فيها قتال مرير يرافقه حرائق وتدمير.
وكان من أسباب هذه الفتن احتفال الشيعة بيوم الغدير , والاختلاف في تفسير بعض آيات القرآن الكريم التي تتعلق بصفات الله تعالى, فكان الشيعة يفسرونها على التأويل على عكس الحنابلة.
ففي سنة 317هـ قامت فتنة كبرى بينهم بسبب تفسير آية: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا فالحنابلة يفسرونها على أن الله تعالى يجلس محمدا معه على العرش, لأنهم يأخذون بظاهر الآية, ويفسرها الشيعة بالتأويل, وعندهم أن المقصود منها هو الشفاعة.
وقد شد آل بوية أزر الشيعة لتشيعهم, وشد الأتراك أزر أهل السنة لأخذهم بمذهبهم, وكان القُصاص من الجانبين يثيرون شعور الطرفين بالعداء ويحرشون فيما بينهم .
كذلك كانت تثور الفتن بين الحنابلة والأشاعرة, وبين الحنفية والشافعية, فكان أهل كل مذهب يتعصبون لمذهبهم, ويدفعهم التعصب إلى أن يقتتلوا. ففي عام 469هـ قدم أبو نصر القشيري إلى بغداد فوعظ بالمدرسة النظامية ونصر الأشاعرة وحط على الحنابلة, فهاج عوام أهل السنة وأحداثهم وقصدوا المدرسة النظامية, وحميت الفتنة وقتل جماعة منهم. وثارت الفتنة في عام 476هـ بين الفريقين وتلتها فتن أخرى امتدت إلى آخر القرن السادس الهجري .
كذلك ثارت الفتن بين الحنفية والشافعية, وكلاهما من أهل السنة, ففي عام 468هـ نشبت فتنة كبرى بينهم بسبب تحول إمام من أئمة الحنفية إلى المذهب الشافعي. فقد روى السبكي أن الإمام أبو المظفر منصور بن أحمد بن عبد الجبار المعروف بابن السمعاني الخراساني. تحول من المذهب الحنفي الذي ناظر فيه ثلاثين سنة, إلى المذهب الشافعي, فقامت الحرب بين جماعة المذهبين, واضطرمت الفتنة بينهم, حتى كادت أن تملأ ما بين خراسان والعراق .
وقد أقدم الإمام ابن السمعاني على التحول من مذهبه إلى المذهب الشافعي للتقرب من نظام الملك وزير السلطان السلجوقي ألب أرسلان وكان هذا الوزير متعصبا للمذهب الشافعي, وهو مذهب الدولة السلجوقية, وقد أنشأ في بغداد وأصفهان وفي مدن أخرى مدارس عرفت بالمدارس النظامية لتدريس المذهب الشافعي.
ويصف لنا ياقوت في معجمه آثار الخراب الذي أصاب بعض المدن في أعقاب الفتن التي كانت تنشب بين أصحاب المذهبين, فحين يذكر مدينة أصفهان يقول: "وقد فشا الخراب في نواحيها لكثرة الفتن والتعصب بين الحنفية والشافعية, والحروب المتصلة بين الحزبين, فكلما ظهرت طائفة نهبت الأخرى...", وجرى مثل ذلك في مدن أخرى كالري وساوة .
وروى الإمام السبكي أن مسعود بن علي وزير خوارزم شاه, أمير خوارزم كان متعصبا للشافعية, وقد بنى في مدينة (مرو) جامعا, فتعصب عليه أهل المدينة وهم أحناف, وأحرقوا الجامع, وقامت فتنة هائلة, كادت الجماجم فيها تطير عن الغلاصم .
ب - فتن الجند كان الجيش في أغلبه يتألف من الأتراك والديلم, وكثيرا ما شغبوا على الخليفة لتأخر أعطياتهم, وكثيرا ما أدى شغبهم إلى خلع الخليفة طمعا برسم البيعة ممن يخلفه. وقد يرتد شغبهم على الناس, فتندلع فتنة يكثر ضحاياها.
ففي عام 421هـ برم الناس من اعتداء الجند الأتراك, وعجزت الدولة عن ردعهم لضعفها وهوانها, فاجتمع الهاشميون والعلوين ومعهم الفقهاء, فاستنفروا الناس لصد الأتراك. فعمد الأتراك إلى رفع الصليب على رمح, يتحدون بذلك الدولة, وترامى الفريقان بالنشاب والآجر, وقتل طائفة من الناس .
وفي عام 429هـ تظلم الناس من اعتداء الديلم واقتحامهم الدور وتعرضهم للنساء, فلم يستمع السلطان البويهي لتظلمهم, فالتحموا مع الديلم في قتال مرير, واهتبل العيارون انشغال الناس في القتال, فداهموا البيوت والمخازن, واقتحم اللصوص بغداد فأخذوا ما وجدوا من الخيول .
ج - فتن العيارين والشطار كان للعيارين والشطار نصيب كبير في الفتن, فقد تألف منهم فرق منظمة, كانت تخضع لزعيم يدعى (مقدم العيارين) وهو الذي يزودها بالسلاح ويتولى تدريبها وتوجيهها, وأشهرهم: عزيز البابصري (نسبة إلى باب البصرة), والبرجمي والطقطقي وابن الحراصة وابن حمدي وابن فولاذ.
وكان ينتظم في هذه الفرق أوزاع من الناس وأخلاط من الفقراء, فيهم السني والشيعي, وفيهم الهاشمي والعلوي وفيهم الأعرابي والكردي والعجمي. كانت فرقهم تنتهز انشغال الناس في الفتن التي تثار, فيغيرون على منازل الأغنياء, وكثيرا ما تغلبوا على الشرطة وهزموها. وقد بلغ من قوتهم أن فرضوا الخطبة لزعيمهم في صلاة الجمعة.
ففي عام 424هـ اجتمع في الرصافة ببغداد فريق منهم وألزموا الخطيب أن يخطب للبرجمي مع خطبته للخليفة والسلطان. وكانوا يفرضون الإتاوات على أصحاب الأعمال, وربما تولوا حفظ الأمن, وتلقب زعماؤهم بلقب القواد. وكانت أفعالهم فيها ظاهرة الثورة على فساد الحكم. وقد التزم البرجمي ومن بعده الطقطقي بمعاني الثورة وأغراضها في مقاومة حكم تسوده الفوضى ويطغى عليه نهب الأموال, واختل فيه ميزان العدل وسرت فيه الرشاوي. وكان سلوكهم مطبوعا بالمروءة, فلم يكن يسمح لأحد من أعوانهم الاعتداء على امرأة أو أخذ شيء منها, ولا التعرض لأوساط الناس .
على أن جماعات اتخذوا اسم العيارين كانوا أقرب إلى اللصوص والسراق, وفيهم فجار وقوادون, منهم ابن حمدي وابن الحراصة, فكانوا يمارسون عدوانهم على الناس فلا ينكرها عليهم أحد لأن قائدا من قواد الديلم يدعى أبا جعفر بن شيرزاد ضمن لهم ما كانوا يمارسونه بمبلغ خمسة وعشرين ألفا دينار يدفعونها إليه في كل شهر .
تاسعا - الثورات
نشبت من الثورات في العصر العباسي الثاني بين عامي 255 و 366هـ ما يزيد على خمسين ثورة, منها ما كان ثورة على الحكم, ومنها ما كان انتقاضا على الحاكمين, من خليفة وسلطان.
وكان أهم الثورات خطرا في أسبابها ونتائجها ثورتان هما: ثورة عرفت باسم ثورة الزنج وثورة القرامطة.
أ - ثورة الزنج سبق للزنج أن ثاروا سنة 71هـ ثم ثاروا سنة 76هـ لما كان ينالهم من ظلم ملاك الأراضي الذين جلبوهم من شرق إفريقيا لاستصلاح أراضيهم التي كان يغمرها شط العرب بدفع مد مياه الخليج العربي ويترك في سطحها طبقة من الأملاح. وقد قمع الحجاج, أمير العراق, الثورتين.
ثم قامت لهم ثورة عارمة في عهد الخليفة المعتز بالله. قادها رجل فارسي دعا نفسه محمد بن علي وزعم أنه علوي النسب وتروي الروايات, أنه قدم من الأهواز سنة 255هـ ونزل في منطقة تقع في جنوب العراق تعرف بالبطائح أو السباخ كان يقوم باستصلاحها الزنوج الإفريقيون, وكانوا يلاقون ظلما مريرا من أصحاب الأراضي التي كانوا يقومون باستصلاحها. فاندس فيهم ذلك الرجل وادعى أنه من آل البيت, ودعاهم لاتباعه ليحررهم من الرق, وينجيهم من عذاب أسيادهم, وأخذ يظهر لهم, بما أوتي من ذكاء وسعة حيلة, أعمالا فيها كثير من الشعوذة وينبئهم بأخبار يزعم أنها من الغيب.
وقد أقام دعوته على دعوة الخوارج وهي المساواة بين المسلمين . وقد استجاب له الأعراب الذين كانوا يسكنون في بوادي البصرة وأكثرهم ممن كان المعتصم أخرجهم من ديوان الجيش وأبدلهم بجند من الأتراك, وقد اضطرهم شظف العيش إلى شن الغارات على القرى واعتراض قوافل الحجاج, ينهبون ويسلبون, كذلك انضم إليه جموع من الفقراء والمستضعفين, وقد أغراهم بما يطمع فيه الفقراء, الذين ضمر في قلوبهم الشعور بالإيمان وتراخت عقيدتهم, فأباح لهم شيوعية الأموال والنساء, وهي عقيدة مزدك الفارسي, فاجتمعوا عليه مخلصين له مؤمنين بدعوته.
وقد عرف القائم بتلك الدعوة, الناظم لتلك الجموع الغفيرة بصاحب الزنج, لأن العدد الغالب من أتباعه كان منهم, ولأنهم أول من استجاب لدعوته, فاستولى على البحرين والأحساء, ثم توجه صعدا إلى البصرة . وفي شوال سنة 257هـ أغار على تلك المدينة وهي غافلة, فداهمها بجموعه وأمعن أتباعه فيها نهبا وسلبا وقتلا وتحريقا, فلم يسلم من أهلها إلا من هرب وهام على وجهه يلتمس النجاة.
وأوى من ظل في المدينة إلى المسجد الجامع ظنا منهم أنهم يأمنون فيه على أرواحهم, لكن الثائرين ما لبثوا أن داهموا المسجد وقتلوا من أوى إليه, ثم اقتحموا البيوت وقتلوا الأطفال وسبوا النساء, وفيهم كثير من شرائف العلويات, فتقاسمهم الآسرون, ومن دخلت في سهمه استخدمها وفجر بها وباعها, حتى بلغت قيمة العلوية ثلاثة دراهم .
ثم أحرقوا البصرة فأضحت معالمها أطلالا. وقد نظم ابن الرومي في مأساتها قصيدة وصف فيها ما حل بها وبأهلها من قتل ودمار وصفا مؤثرا, تدمع له العين وينفطر له القلب . وبعد خراب البصرة توجه صاحب الزنج بأتباعه إلى الأهواز وهزم الحملات التي كان يرسلها الخليفة المعتمد على الله لقتاله.
وبعد ذلك قصد (واسط) وهم بالتوجه إلى بغداد لولا أن الخليفة جمع له جيشا كثيفا قاده أخوه الموفق بالله, فتغلب على صاحب الزنج بعد قتال مرير وتمكن من قتله والقضاء على الفتنة التي أثارها والتي دامت خمس عشرة سنة (255 - 270هـ).
ب - ثورة القرامطة لم تكد تنتهي ثورة الزنج حتى نشبت ثورة أخرى كانت امتدادا لها ومنادية بشعارها وهو مقاومة الظلم والاستبداد ومعلنة مبدأ المساواة بين الناس. وقد عرفت بثورة القرامطة, وتنسب هذه التسمية إلى رجل فارسي عرف بلقب (قرمط), وهو لقب يطلق على القصير, المتقارب الخطا.
أما اسمه فقد اختلف الرواة والمؤرخون فيه, فمنهم من دعاه حمدان الأشعث ومنهم من دعاه الفرج بن عثمان, ولكنهم متفقون على أنه قدم من الأهواز, وظهر في سواد الكوفة سنة 258هـ في موضع يقال له (النهرين) وكانت حرب الزنج ما تزال قائمة على أشدها. وقد غلب على الرجل لقبه فكان يعرف بقرمط وعرف أتباعه بالقرامطة, وقد كان أحد دعاة الإمام الإسماعيلي (المنتظر) الذين بثهم في الأقطار عبد الله بن ميمون القداح, منظم الدعوة الإسماعيلية.
فلما تم القضاء على ثورة الزنج سنة 270هـ اجتمع حوله فلولها وبدأ بما بدأ به صاحب الزنج من إظهار الزهد والتقشف والورع, فجذب إليه قلوب الناس, وكان يخفي وراء هذا السلوك هدفا سياسيا, كان لا بد من دعمه بظاهرة التدين. وقد دعا إلى مذهب فيه مزيج من المزدكية الفارسية واليهودية والنصرانية والإسلام, وحط من شعائر الإسلام فجعل الصلاة أربع ركعات, ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان بعد غروبها, وجعل القبلة والحج إلى بيت المقدس وجعل الصوم يومين في السنة, وهما يوم المهرجان ويوم النيروز وعدل في الأذان, وفرض جزية على من خالفه وأباح قتله إن أمكن ذلك, وأخذ يفسر آيات القرآن بتأويل, بدعوى أن لآياته وأحكامه تأويلا باطنيا يفسر به ظاهرها, ومن ثم عرف مذهبهم بالباطنية.
وادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الرسالة ومن النبوة وسلم الأمر إلى علي بن أبي طالب حين خطب في الناس يوم الغدير فقال: من كنت وليه فعلي وليه, اللهم انصر من نصره وعاد من عاداه فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك تابعا ومحجوبا بعلي. وأن الإمامة المطبوعة بطابع النبوة آلت من بعد علي إلى الحسن والحسين ثم إلى علي زين العابدين ثم إلى محمد الباقر ثم إلى جعفر الصادق ثم إلى إسماعيل ثم إلى محمد بن إسماعيل وهو الإمام السابع.
وقد كثر أتباع قرمط وكثر دعاته فكان منهم زكرويه وولده يحيى والحسين, وأبو سعيد الجنابي وأبو طاهر القرمطي , وقد أقام هؤلاء دولة لهم في القطيف والبحرين واليمن وقادوا حروبا في العراق أرادوا بها انتزاع الخلافة, ونازعوا الفاطميين زعامة الدعوة, فهاجموا قواعدهم في الشام وهموا بمهاجة القاهرة وقد تمكن الفاطميون من صدهم.
وفي سنة 317هـ أغاروا على مكة فقلعوا الحجر الأسود وقتلوا الحجاج, وحملوا الحجر الأسود إلى القطيف عاصمة ملكهم وأعادوه سنة 239هـ لقاء السماح لهم بفرض ضريبة على الحجاج.
ومن تتبع الأسباب التي انطلقت منها ثورة الزنج, ثم ثورة القرامطة والتأمل بنتائجها نجد أنها ترجع إلى سببين مفترقين ومتوازيين.
فالأول منهما هو استغلال الضجر والضيق من استبداد الولاة ومن إرهاق عمال الخراج, يضاف إلى بؤس الفقراء الذين يعانون ألم الجوع والعطالة والحرمان. وكان هؤلاء مع كل دعوة للتحرر من الظلم الذي يحل بهم والضيق الذي يكابدونه.
وقد اختار دعاة الثورة جنوب العراق والمناطق المجاورة له لبعدها عن بغداد وعجز الدولة عن تتبع الثائرين.
والسبب الثاني هو استغلال دعاة الثورة جهل العامة وسلخهم من العقيدة الإسلامية من دعاة يحملون حطام دياناتهم السابقة التي ما زالوا متأثرين بها.

عاشرا - اقتسام الدول العباسية بين المتغلبين
كانت الدولة في أيام بني أمية وحدة شاملة من شرقها الممتد من بلاد ما بين النهرين وحدود الصين والهند إلى مغربها في المغرب الأقصى والأندلس. وكان يحكم أقاليمها ولاة يوليهم خليفة دمشق وإليه يرجعون في أمورهم الهامة, ينفذون سياسته ويحكمون بسلطانه. ولما انتقلت الخلافة إلى بني العباس استقلت بعض الأقاليم بتفويض منهم واستقل البعض الآخر بالغلبة عليهم.
ففي عهد أبي جعفر المنصور استولى عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك سنة 138هـ على الأندلس واستقل بها وأنهى الحكم العباسي وأعاد الحكم إلى بني أمية.
وفي عهد المنصور أيضا أنشأ إدريس بن محمد (النفس الزكية), وهو من أحفاد الحسن بن علي بن أبي طالب دولة الأدارسة في المغرب الأقصى سنة 172هـ.
وفي عام 184هـ أنشأ إبراهيم بن الأغلب بتفويض من الخليفة هارون الرشيد دولة الأغالبة في المغرب الأدنى (تونس).
وفي عام 205هـ أنشأ طاهر بن الحسين بتفويض من المأمون دولة بني طاهر في خراسان مكافأة له لنصرته على الأمين.
فهذه الأقاليم الأربعة انفصلت عن الدولة العباسية, واستقلت عنها, وتداولت الحكم بطريق الإرث. غير أن انفصال بعضها كان يختلف عن انفصال البعض الآخر. ففي دولة بني أمية في الأندلس وفي دولة الأدارسة في المغرب الأقصى, انقطعت الصلة بدولة الخلافة العباسية. أما في دولة بني طاهر ودولة الأغالبة, فلم تنقطع الصلة بها, بل ظلت على ولائها وتبعيتها.
وفي العصر العباسي الثاني انفصلت عن دولة الخلافة الأقاليم الآتية:
ففي سنة 254هـ انفصلت مصر والشام وقامت فيهما دولة أحمد بن طولون وخلفتها دولة الإخشيد
وفي سنة 254هـ قامت دولة بني الصفار في سجستان بزعامة الليث بن الصفار واستولت على خراسان وقضت على دولة بني طاهر.
وفي سنة 261هـ قامت دولة بني سامان في خراسان بزعامة نصر بن أحمد ابن أسد بن سامان وقضت على الدولة الصفارية.
وفي سنة 297هـ قامت في إفريقية دولة العبيديين بزعامة أبي عبيد الله المهدي وقضت على دولة الأغالبة, ثم على دولة بني الأخشيد وامتد حكمها إلى مصر والشام والحجاز.
وفي سنة 320هـ قامت دولة بني بوية في فارس وأصبهان وهمذان والري بزعامة أبناء بوية وهم: الحسن وعلي وأحمد وأبناؤهم من بعدهم. وقامت في الموصل والجزيرة وحلب دولة بني حمدان بزعامة أبناء حمدان بن حمدون التغلبي.
وفي سنة 321هـ قامت دولة الغزنويين فيما وراء النهر بزعامة سبكتكين, أمير غزنة ومن بعده ابنه محمود المعروف باسم محمود الغزنوي فقضى على دولة بني سامان وامتدت دولته إلى الهند.
وفي عام 328هـ لم يبق في يد الخليفة سوى بغداد وسواد العراق, وقد جرد منهما حين استولى معز الدولة البويهي على بغداد سنة 334هـ فلم يبق من الخلافة غير لقبها.
وفي عام 421هـ قامت دولة الترك (الغز) السلاجقة, القادمين من بلاد تركتسان, فأزالت دولة الغزنويين والبويهيين والدويلات الأخرى, بزعامة طغرلبك السلجوقي, وكانت تلك الدويلات قد أضعفتها الحروب التي نشبت بينها, ولم يتكلف السلاجقة كبير عناء في القضاء عليها.
ولما مات طغرلبك خلفه ابن أخيه ألب أرسلان فقامت في عهده وحدة الدولة الإسلامية الممتدة من بلاد ما بين النهرين إلى بلاد الشام غير أن الخلاف ما لبث أن ثار بينه وبين ابن عمه (قتلمش), ونشبت بينهما الحرب سنة 456هـ, وفيها قتل (قتلمش) وأدى قتله إلى انقسام الدولة السلجوقية, فاستقل سليمان بن قتلمش بالأناضول وأقام سنة 470هـ دولة عرفت بدولة سلاجقة الروم (يقصد بها بلاد الروم) وقد اتخذ سليمان (نيقية) ثم (قونية) عاصمة له.
ولما توفي ألب أرسلان انتقلت السلطة إلى ابنه ملشكاه, فأقطع عمه (تتش) بلاد الشام فتوجه إليها وأنهى حكم الفاطميين فيها. ثم أعلن الحرب على ابن عمه سليمان بن قتلمش, ملك سلاجقة الروم, وكان قد استولى على حلب فأراد ملشكاه إخراجه منها وفي المعركة التي جرت بينهما قرب حلب في موضع يقال له (تل السلطان) قتل سليمان وخلف ولدا صغيرا اسمه (داود), فتولى ملكشاه تربيته, ولما شب ولاه مكان أبيه (قتلمش), أميرا على دولة الروم وعرف باسم (قليج أرسلان).
وقد أحدث قتل سليمان, كما أحدث من قبل قتل أبيه قتلمش, انشقاقا بين السلاجقة وأثار بينهم أحقادا, فواجهوا الغزو الصليبي متفرقين, ولو أنهم واجهوه متحدين, لتحولت مسيرة الأحداث وجهة أخرى ولسلمت بلاد الإسلام من غزو ما زالت تتجرع مرارته.
حادي عشر - سعي المتغلبين في نقل الخلافة إليهم
تدل الأحداث التاريخية على أن انتزاع الخلافة الإسلامية من العرب كان هدفا رمى إليه من خططوا له وسعوا إليه, فمن تأمل في حياة أبي مسلم الخراساني يلوح له بجلاء سعيه في انتزاع الخلافة الإسلامية ونقلها عن طريقه إلى الفرس. فقد استعان بعرب اليمن في قتال نصر بن سيار أمير خراسان للأمويين, وزعيم المضريين.
فلما تغلب على نصر قتل آلافا من العرب المضريين ثم غدر باليمنية الذين آزروه وقتل منهم الكثير حتى أفنى العرب في خراسان وأنهى حكم بني أمية فيها. وقد كافأه أبو العباس السفاح فولاه على خراسان فأقام فيها قواعد الملك بجميع مظاهره, وألف جيشا من الفرس يأتمر بأمره. وقد كشف أبو جعفر المنصور عن نيته, فلما تولى الخلافة قتله .
وكشف الرشيد في خلافته عن نية البرامكة في إحياء دولة الفرس حين ولى الفضل بن يحيى البرمكي على خراسان وحين استوزر أخاه جعفرا. فقد جند الفضل خمسمائة ألف جندي فارسي, جعل ولاءهم له وأرسل عشرين ألفا منهم إلى بغداد ليعرضهم على الخليفة, فأمر الخليفة بحلهم وحل من جندهم الفضل من أهل خراسان وعزل الفضل.
وكان هذا مما أثار الشك في نفس الرشيد وأسخطه على البرامكة, ثم تأكد من نيتهم حين علم أن جعفر البرمكي أفرج عن يحيى بن عبد الله العلوي, وكان الرشيد قد قبض عليه وأودعه عند جعفر, فأفرج عنه جعفر وزوده بمال, وسهل عليه سبيل الخروج من بغداد .
وكان الوزراء الفرس يتشيعون للعلويين ويعملون على نقل الخلافة إليهم, يؤيد ذلك أن المأمون منح ولاية العهد من بعده إلى علي الرضا ابن موسى الكاظم ثامن الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية وزوجه ابنته, وكان ذلك بمساعي وزيره الفضل بن سهل
كذلك سعى البويهيون إلى نقل الخلافة إليهم عن طريق تزويج بناتهم للخلفاء. ففي سنة 364 زوج عز الدولة البويهي ابنته (شاه زمان) من الخليفة الطائع لله وزوجه من بعده عضد الدولة ابنته الكبرى سنة 369هـ .
وفي سنة 383هـ زوج بهاء الدولة البويهي ابنته سكينة من الخليفة القادر بالله . ولما آلت السلطة إلى السلاجقة زوج طغرلبك زعيم السلاجقة, خديجة خاتون ابنة أخيه داود من الخليفة القائم بأمر الله وطمع طغرلبك نفسه بالخلافة فتقدم إلى الخليفة يطلب الزواج من ابنته, فلم يجرؤ الخليفة على الرفض, وتم العقد على ابنته سنة 454هـ على أن تنتقل إلى زوجها في قصره بمدينة (تبريز), ويموت طغرلبك قبل أن تنتقل الزوجة من بغداد .
وقد أراد السلطان السلجوقي ملكشاه بن ألب أرسلان أن يتزوج من ابنة الخليفة المقتدي بأمر الله فأرسل إليه القاضي محمد بن عبد الرحمن النسوي سنة 478هـ ليخطبها له من أبيها الخليفة, فلما قدم عليه أخبره بما جاء من أجله, ثم نصحه ألا يفعل, فقبل الخليفة نصحه وأبى تزويجها من السلطان. فطلب السلطان أن يتزوج الخليفة ابنته (ماه ملك) فعقد عليها وتزوجها سنة 480هـ ويشاء الله ألا يتحقق ما كان يؤمل السلطان من هذا الزواج.

المصدر

http://www.mexat.com/vb/threads/47750-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A

قيام الخلافة العباسية علي انقاض الخلافة الأموية

قيام الخلافة العباسية  علي انقاض الخلافة الأموية
قيام الخلافة العباسية  علي انقاض الخلافة الأموية
تنسب الدولة العباسية إلي بني العباس أعمام النبي صلي الله عليه و سلم. و ترجع ولادة هذه الدولة إلي الانقسام الذي أصاب الخلافة الإسلامية و الذي بدأ في عهد الخليفة علي بن أبي طالب بين المناصرين لعلي بن أبي طالب و آل البيت و هم الشيعة، و المناصرين لمعاوية ابن أبي سفيان و بني أمية من بعده. هذا الانقسام الذي أدي إلي قيام حروب بين الفريقين بدأت بموقعة صفين عام 37 هج.

و بعد مقتل علي بن أبي طالب في الكوفة، اشتدت قسوة الأمويين علي كل من ناصر علياً و الحسين من بعده. و تعد موقعة كربلاء التي قتل فيها الحسين شاهداً علي ذلك فقد قطعت رأس الحسين سبط رسول الله صلي الله عليه و سلم و سيد شباب أهل الجنة و أُرسلت إلي يزيد بن معاوية  في دمشق. كما قام الأمويون بالتنكيل بعبد الله بن الزبير و آل بيته حتي أنهم لم يتورعوا عن مهاجمة مكة المكرمة و ضربها بالمنجانيق.

و الحقيقة أن البطش الشديد الذي مارسه الأمويون للقضاء علي ثورات المناصرين لعلي و الحسين و تنكيلهم بآل البيت قد أوغر صدور الكثيرين ضدهم. هذا بالإضافة إلي تعصب الأمويين ضد كل من هو ليس بعربي مما أهاج أهل فارس و خرسان و دفعهم للانضمام للدعوة الشيعية ليس مناصرةً لآل البيت و إنما نكاية في الأمويين و رغبة في الانتقام منهم.

تحولت الدعوة الشيعية ضد الأمويين إلي دعوة سرية كوسيلة لنشر أفكارهم و حماية أنفسهم من بطش بني أمية. و لكن علي الرغم من ذلك علم الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك بأن زعيم الشيعة في ذلك الوقت هو أبو هاشم بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فدعاه إلي قصره ذات يوم و قدم له طعاماً مسموماً. و عندما غادر أبو هاشم قصر الخليفة شعر بالسم يسري في جسده، فسارع بالذهاب إلي قرية الحميمة جنوب الشام، و كانت المركز السري للشيعة، و هناك التقي بمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس و اطلعه علي التنظيم السري للشيعة ليتولي هو الدعوة إليه و تجميع صفوفه لمحاربة الأمويين.
و من ذلك الوقت بدأ بنو العباس في العمل علي استخدام الدعوة الشيعية لتجميع الناس حولهم و تقويض ملك بني أمية الذي اعتمد علي العصبية العربية و القسوة في معظم المناطق غير العربية. لذلك وجدت الدعوة الشيعية التي حمل لواءها بنو العباس صدي في بلاد فارس و خرسان.

و نودي بأبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أميراً للمؤمنين لدولة بني العباس.

حمل لواء دعوة العباسيين في خراسان أبو مسلم الخرساني الذي أخذ يطوف بسكان خرسان يدعوهم للثورة ضد الحكم الأموي. فاستطاع في خلال أربع سنوات أن يجمع القبائل الفارسية و العجمية حوله. و في شوال 129 هج أصبحت الدعوة العباسية علنية فرفعت الرايات السوداء رمز العباسيين. و استطاع أبو مسلم الخرساني أن يخضع خرسان كلها تحت حكمه. و بذلك وضع اللبنة الأولي للدولة العباسية.

و في عام 132 هج أرسل أبو مسلم الخرساني جيشاً بقيادة قحطبة بن شيب إلي العراق فاستطاع هزيمة الأمويين و ضم العراق لدولة بني العباس الوليدة.

و بذلك تهيأ العباسيون للانقضاض علي مقر الخلافة الأموية في دمشق، فجهز خليفة العباسيين جيشاً كبيراً من 300 ألف رجل من بلاد فارس علي رأسهم عبد الله بن علي. و اعد الخليفة الأموي مروان بن محمد جيشاً كبيراً من 120 ألف رجل لملاقاة جيش العباسيين، و التقي الجيشان في موقعة نهر الزاب في شمال العراق. استمرت الموقعة يومان و انتصر العباسيون انتصاراً ساحقاً و فر الخليفة الأموي إلي دمشق ، و فر عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ( عبد الرحمن الداخل) إلي المغرب و منها إلي الأندلس حيث اسس الخلافة الأموية الزاهرة في الأندلس و التي شهدت ذروة ازدهار الحضارة الإسلامية.

طارد جيش العباسيين بقيادة عبد الله بن علي فلول جيش الأمويين و خليفتهم مروان بن محمد الذي لجأ إلي دمشق. فضرب العباسيون حصاراً علي المدينة استمر عدة أيام ثم دخلها جيش العباسيين و تتبع قادة الدولة الأموية و قتلهم جميعاً . فهرب مروان بن محمد إلي مصر. فتبعه جيش العباسيين حتي أوقعوا به في بلدة بوصير في الفيوم فقتلوه و قطعوا رأسه و ارسلوها إلي خليفتهم أبي العباس، الذي سمي في التاريخ بأبي العباس السفاح لبطشه ببني أمية و قتله عدد هائل منهم. حتي أن قبور بني أمية لم تسلم من بطشه فقام بنبشها و إحراقها و علي رأسهم قبر معاوية بن أبي سفيان. و بذلك انتهت دولة بني أمية التي استمرت قرابة مائة عام .

و الحقيقة أن الخلافة العباسية اختلفت عن الخلافة الأموية في كثير من الأشياء، منها أن الخلافة الأموية اعتمدت في حكمها علي العصبية العربية و مساندة القبائل العربية، في حين أن الخلافة العباسية قامت علي المساواة بين الرعية من العرب و العجم، فنجد الموالي صاروا يتولون المناصب الكبيرة في الدولة علي قدم المساواة مع العرب. و أصبحت العناصر الفارسية ثم التركية مقام كبير في الجيش.

كما أن الفتوحات المتوالية في عهد بني أمية قد قلت و تباعدت في عهد بني العباس، فتفرغ الناس للدراسة و العلوم و المعارف بصورة كبيرة ، و لقي العلماء تشيجعاً كبيراً من الخلفاء و خاصاً في عهد المأمون.



الخليفة أبو جعفر المنصور
يعد أبو جعفر المنصور من أقوي و أشد الخلفاء العباسيين الذين تولوا الخلافة العباسية. عُرف عنه بطشه بإعدائه و حتي اصدقائه خوفاً علي سلطانه منهم.

تولي الخلافة بعد وفاة أخيه أبي العباس عبد الله السفاح سنة 136 هج بعد أن أمضي أربع سنين في الخلافة.

و لكن صراعاً دموياً نشب بينه و بين عمه عبد الله بن علي بسبب طمع الثاني في تولي الخلافة نظراً لبطولاته السابقة في حرب الأمويين و الروم.
جمع عبد الله جند الشام حوله لمهاجمة جيش المنصور الذي استنجد بأبي مسلم الخرساني. فأتي بجيشه من خراسان و تقابل مع جيش عبد الله في معارك كثيرة كانت الغلبة فيها لجيش أبي مسلم الخرساني، و فر عبد الله بن علي إلي البصرة حتي بعث المنصور إليه من يغتاله سنة 148 هج.

و يبدو أن أبا جعفر المنصور رأي أنه يجب ألا يترك نفوذ أبي مسلم الخرساني يستفحل في خرسان و يعلو نجمه بعد الانتصارات التي حققها للدولة العباسية الوليدة، فأرسل إلي أبي مسلم يدعوه للحضور إلي قصره، و هناك أمر حراسه بقتله، مما أهاج أهل خراسان و دفعهم إلي الثورة ضد الخلافة العباسية التي لم تحفظ لهم معروف أنهم قاتلوا من أجلها ضد الأمويين. فأرسل  المنصور إليهم جيشاً كبيراً هزمهم و كسر شوكتهم.

و لكن ثورات أهل خراسان استمرت تقلق حكم العباسيين، فيرسلون إليهم من يبطش بهم و ينكل بهم، فيزداد السخط علي العباسيين و تتجدد الثورات مرة أخري.

و لقد واجه أبو جعفر المنصور ثورة العلويين أيضاً من أحفاد الحسن بن علي بن أبي طالب في الحجاز. فلقد ثار محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي، و كنيته محمد النفس الزكية، علي الحكم العباسي، و تجمع حوله الناس. و انضم إليه أخوه إبراهيم.
و لكن أبو جعفر المنصور أرسل جيشاً بقيادة عيسي بن موسي، الذي اقتحم المدينة و هزم جيش محمد النفس الزكية و قتل الكثيريين من جنده. و محمد النفس الزكية نفسه قُتل علي يد بن قحطبة الذي قطع رأسه و صلب جسده و كان ذلك في 14 رمضان من عام 145 هج. ثم ما لبث أن قُتل أخاه إبراهيم بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي. و بذلك خمدت ثورة العلويين التي كادت أن تزيل حكم بني العباس، و تعيده لمستحقيه من آل البيت.

من أشهر أعمال أبي جعفر المنصور قيامه ببناء مدينة بغداد سنة 145 هج. و لكي يختار موضع المدينة، سار المنصور يطلب موضعاً يتخذه بلداً فبات ليلة موضع القصر، فطاب له المبيت و لم ير إلا ما يحب، فقال : ها هنا ابنوا، فإنه طيب، و يأتيه مادة الفرات و دجلة و الأنهار. تم البناء عام 149 هج / 766 م. و ظلت بغداد عاصمة الخلافة العباسية حوالي خمسة قرون ( خمسمائة سنة).

مكث أبو جعفر المنصور في خلافته اثنين و عشرين عاماً.


خلافة هارون الرشيد و ابنائه
يعد عهد هارون الرشيد ( 170 / 193 هج – 786 / 808 م) من أزهي عصور العباسيين، و ذاعت شهرته في الشرق و الغرب. ففي عهده بلغت بغداد أوج عمرانها و سيطرتها علي أجزاء الدولة مترامية الأطراف من المغرب إلي الصين. و توغلت الجيوش العباسية في آسيا الصغري حتي بلغت عاصمة دولة الروم.

و لكن عهد الرشيد شهد كذلك قيام دولة الأدارسة المستقلة في المغرب ( 172 هج/ 788 م). و علم الرشيد أنه يصعب عليه السيطرة علي حدود دولته المترامية، فعهد إلي إبراهيم الأغلب حكم إفريقيا ( و هي المغرب الأقصي) و جعل الحكم متوارثاً في أبنائه.

كما قام هارون الرشيد قبل وفاته بتقسيم الدولة بين أولاده : الأمين و المأمون و المؤتمن، و جعل ولاية العهد من بعده للأمين، ثم المأمون، ثم المؤتمن.

و لكن بعد وفاة هارون الرشيد قامت فتنة شديدة بين الأمين و المأمون و قامت بينهما حروب طويلة تخربت فيها بغداد و انتهت بقتل الأمين (198 هج / 813 م)، و تولي المأمون الخلافة العباسية.


خلافة المعتصم و نهاية العصر العباسي الأول
يعد عهد المعتصم نقطة فاصلة في تاريخ الخلافة العباسية، فقد قام الخليفة المعتصم بتكوين جيش من الأتراك يدينون له بالولاء. كما قام ببناء عاصمة جديدة للخلافة هي سامراء ( سر من راء) ليسكن فيها جيشه الجديد من الأتراك.
و نهج ابنه الخليفة الواثق نفس النهج من تقريب الأتراك و الاعتماد عليهم، حتي أصبح لهم السلطة و الأمر في الخلافة، و أصبح الخليفة ألعوبة في أيديهم. و بدأوا يتدخلون في البيعة و يتحكمون فيمن يتولي الخلافة من أسرة العباسيين. فحل الضعف و التفسخ في الدولة العباسية، و انتهي عصر الازدهار و بدأ نجم العباسيين في الأفول.


العصر العباسي الثاني
كان العصر العباسي الثاني مثال لاضمحلال حضارة و انكماش دولة، فقد كثرت الفتن و الصراعات بعد غلبة العنصر التركي في الجيش و القصر. كما شاع تدخل النساء و حاشية القصر في الشئون الإدارة، و قامت ثورة الزنج و ثورات العلويين و صراعات الأتراك و سادت الفوضي و الاضطرابات.

ضعفت السلطة المركزية للخلافة بضعف الخليفة، فبدأت موجة استقلال الإمارات البعيدة عن السلطة المركزية و تحولت إلي دويلات مستقلة، فقامت في مصر الدولة الطولونية،  ثم من بعدها الإخشيدية، و قامت في المغرب الخلافة الفاطمية الشيعية و استولت علي مصر من الإخشيديين. و في الشرق قامت الدولة الطاهرية في خرسان، ثم ورثتها الدولة الصفارية، و قامت الدولة الزيدية العلوية في طبرستان. كما قامت الدولة السامانية و عاصمتها بخاري. و كذلك قامت في الشام الدولة الحمدانية و سيطرت علي موصل و حلب و امتدت سيطرتها علي بغداد في بعض الأوقات.

و لم يتوقف الأمر علي ضعف الخليفة العباسي و تحكم القواد الأتراك في توليته و خلعه، و إنما وصل الأمر أن بدأ القواد في تكوين دويلات في بغداد نفسها و حكمها متوارث في الأبناء و الأحفاد. فنجد أحمد بن بويه الشيعي الذي استعان به الخليفة المستكفي للتخلص من سيطرة الدولة الحمدانية، يؤسس دولة بني بويه في بغداد و التي استمرت قرن من الزمان. و كان البويهيون الشيعيون لا يعتقدون في حق العباسيين في الخلافة، فعاملوهم بقسوة كبيرة و جردوهم من كل سلطة و سجنوهم في قصورهم.

فلما قامت دولة السلاجقة التي أسسها سلجوق و اعتنقت المذهب السني، استنجد بها الخليفة القائم بأمر الله، فسار طغرل زعيم السلاجقة إلي بغداد و دخلها ( 447 هج / 1055 م)، و ازال دولة بني بويه، و بدأت حلقة جديدة من سيطرة الأمراء علي الخليفة و لكن هذه المرة الأمراء السلاجقة السنيين.


دولة السلاجقة و بداية موجات الحملات الصليبية

بدأ السلاجقة يسيطرون علي بغداد 590 هج/ 1194 م، و ذلك زمن الخليفة العباسي الناصر ( 575 – 622 هج/ 1180 – 1225 م). و كان لسيطرة السلاجقة علي الخلافة نتائج بعيدة الأثر. فقد عملوا علي تمكين المذهب السني في العالم الإسلامي. و تولوا الدفاع عن المشرق الإسلامي ضد الصليبيين، و نجحوا زمن سلاطينهم الثلاثة الأول طغرل بك،و ألب أرسلان، و ملكشاه في توحيد جزء كبير من أراضي الخلافة في المشرق، فاستولوا علي أرمينيا. و بعد أن هزم ألب ارسلان البيزنطيين في الموقعة التاريخية ملاذكرد عام 1071 م، توغل السلاجقة في آسيا الصغري و الشام.

علي أن دولة السلاجقة لم تلبث بعد وفاة ملكشاه 485 هج/ 1092 م أن بدأت تتفكك نتيجة لمشاحنات الأمراء السلجوقيين. و بينما بقي الفرع السلجوقي الرئيسي يحكم العراق و فارس استقل سلاجقة الشام و سلاجقة كرمان و سلاجقة الروم في آسيا الصغري.

و عندما جاءت الموجة الصليبية الأولي، و هي حملة بطرس الناس، و كانت تتكون من فلاحين و حطابين و أطفال دفعتهم الحماسة ليخرجوا مع بطرس الناسك ليحرروا القدس. فساروا في جموع حاشدة عبر وسط أوربا، و قتلوا اليهود في طريقهم. فلما وصلوا إلي أسوار القسطنطينية نصحهم الأمبراطور الكسيوس كومنين أن يتريثوا و لا يعبروا إلي آسيا الصغري، و لكنهم لم يستمعوا له، بل قاموا بإحراق القصور و نهب الكنائس، فأمرهم الأمبراطور بالرحيل.
فخرجوا متجهين إلي آسيا الصغري، و هناك التقوا بجيوش السلاجقة بقيادة سليمان الذي هزمهم شر هزيمة، و ألقي بمن نجا منهم في البحر.

و لكن مالبثت أن جاءت الحملة الصليبية الأولي من فرسان الفرنجة و التي يقودها ملوك و أمراء أوروبا، فلم يستطع السلاجقة أن يتصدوا لهم، و تعرضوا للهزيمة و سقطت مدينتهم الرئيسية نيقية في يد البيزنطيين في رجب 490 هج / يونيه 1097 م.

ثم توجه الفرنجة إلي إنطاكية و حاصروها مدة تسعة أشهر حتي سقطت في أيديهم، فدخلوها و ذبحوا معظم أهلها من المسلمين، ثم اتجهوا إلي الرها و استولوا عليها.

و بذلك فقد السلاجقة معظم أملاكهم في الشام، و فشلوا في التصدي للحملة الصليبية الأولي، التي استمرت في التقدم حتي استولت علي القدس من الفاطميين سنة 1099 م.

و ظلت الخلافة العباسية بمأمن من هجمات الصليبيين، حتي جاء هولاكو المغولي في زمن المستعصم آخر الخلفاء العباسيين، و هجم علي بغداد و قتل الخليفة المستعصم 656 هج / 1258م و كل أسرته و لم يبق أحد من بني العباس.  و بهذا زالت الخلافة من بغداد التي استمرت أكثر من 500 سنة. كانت فترة ازدهارها هي المائة سنة الاولي (132 – 232 هج)، ثم أصابها الانحدار و الاضمحلال لمدة 400 سنة حتي قضي عليها المغول سنة 656 هج.

و عاد الظاهر بيبرس و أحياها بعد ذلك بخمس سنوات و بقيت قائمة اسماً إلي أن استولي الأتراك علي مصر 922 هج / 1517م.

و تعتبر الخلافة العباسية هي آخر خلافة إسلامية تجمع الأقطار التي فتحها الإسلام تحت لواء واحد. و بعدها بدأت أجزاء الدولة الإسلامية تنفصل في دويلات.



تسلسل حكم الخلفاء العباسيين في العصر العباسي الأول و الثاني:

خلفاء العصر العباسي الأول هم
-          أبو العباس السفاح                                   (132- 136 هج / 750-754 م)
-          أبو جعفر المنصور                                      (136- 158 هج / 754 -775 م)
-          المهدي                                                  (158 – 169 هج / 775- 785 م)
-          الهادي                                                   (169 – 170 هج / 785 – 786 م)
-          هارون الرشيد                                          (170- 193 هج / 786 – 808 م)
-          الأمين                                                    (193 – 198 هج / 808 – 813 م)
-          المأمون                                                  (198 – 218 هج / 813 – 833 م)
-          المعتصم                                                 (218 – 227 هج / 833 – 842 م)
-          الواثق                                                    (227 – 232 هج / 842- 847 م)

خلفاء العصر العباسي الثاني هم
- المتوكل علي الله                                     (232 – 247 هج / 847 – 861 م)
- المنتصر بالله                                            (247 – 248 هج / 861 – 862 م)
- المستعين بالله                                        (248 – 252 هج / 862 – 866 م)
- المعتز                                                    ( 252 – 255 هج / 866 – 869 م)
- المهتدي                                                 (255 – 256 هج / 869 – 870 م)
- المعتمد علي الله                                     (256- 279 هج/ 870 – 892 م)
- المعتضد بالله                                           (279 – 289 هج/ 892 – 902 م)
- المكتفي بالله                                          ( 289 – 295 هج/ 902 – 908 م)
- المقتدر بالله                                            (295 – 320 هج / 908 – 933 م)
- القاهر بالله                                              (320 – 322 هج / 933- 934 م)
- الراضي بالله                                            (322 – 329 هج/ 934 – 940 م)
- المتقي لله                                              (329 – 333 هج / 940 -944 م)
- المستكفي بالله                                       (333 – 334 هج/ 944 – 946 م)
- المطيع لله                                               (334 – 363 هج / 946 – 974 م)
- الطائع لله                                                ( 363 – 381 هج / 974 – 991 م)
- القادر بالله                                               (381 – 422 هج / 991 – 1031 م)
- القائم بأمر الله                                         (422 – 467 هج / 1031 – 1075 م)
- المقتدي بأمر الله                                      (467 – 487 هج / 1075 – 1095 م)
- المستظهر بالله                                        (487 – 512 هج / 1095 – 1118 م)
- المسترشد بالله                                       (512 – 529 هج / 1118 – 1135 م)
- الراشد                                                   (529 – 530 هج / 1135 – 1136 م)
- المقتفي لأمر الله                                     (530 – 555 هج / 1136 – 1160 م)
- المستنجد بالله                                        (555 – 566 هج / 1160 – 1170 م)
- المستضئ بالله                                        (566 – 575 هج / 1170 – 1180 م)
- الناصر لدين الله                                        (575 – 622 هج / 1180 – 1225 م)
- الظاهر بامر الله                                         (622 – 623 هج / 1225 – 1226 م)
- المستنصر بالله                                        (623 – 640 هج / 1226 – 1242 م)
- المستعصم بالله                                       (640 – 656 هج / 1242 – 1258 م)
                                                                  المصدر
http://egypthistory.net/2011/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-132-656-%D9%87%D8%AC/